‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد أفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد أفكار. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 يونيو 2013

سادَ العرب

يتحدث ابن خلدون في مقدمته عن  قانون السيادة الثقافية للأُمم المنتصرة على الأُمم المغلوبة ، ويضرب لذالك أمثلةً وتثبت الأيام صحتها ، فعندما ساد العرب على أجساد الأمم المتفرقة التي أطاحوا بها ظهرت الثقافة العربية كمظهر للتمدن والحضارة في كل العالم ، وعندما انقلب الوضع انقلب الوضع . كمشروع ثقافي أُحاول مع أحد أصدقائي البدء في موقع طبّي تثقيفي يكون موجهاً للجمهور العام ، قررنا أن نبدأ العمل به كمدونة صغيرة حتى نصبح مستعدين لإطلاقه كموقع حقيقي له روافد إليكترونية ، ولم يأخذ منّا الأمر وقتاً حتى نقرر أنه سيكون باللغة الإنجليزية ثُمَّ إن أردنا إطلاق فرع عربي سنفعل ، لكن لماذا يبدأ اثنان من العرب مشروعهما باللغة الإنجليزية ، لأن العرب لا يهتمون بالقراءة أصلاً ، ولأنني وصديقي لا نهتم بالعرب .

وكنت من قبل ، ولمدة أسبوع فقط ، قررت أن أهتم بالعرب وأحاول مساعدتهم ما أمكنني على تخطي مآسيهم التي صنعوها بأنفسهم . فاتجهت لبناء مدونة إليكترونية مهتمة خصيصاً بثقافة الجسد العربي وتوعية العرب بأجسادهم التي يعاملونها بغباوة ، وكان الشريان الرئيسي للمدونة هو حساب على موقع الأسئلة والإجابات ـ Ask.Fm . لكنّي توقفت لأني أدركت أنَّ مأساة هؤلاء ليست فقط في أجسادهم بل في عقولهم ، هم لا ينظرون للمشاكل الكبيرة على أنها مشاكل حقيقية ، وربما تراهم يتعاملون مع مشاكل بسيطة على أنها نهاية العالم . وآخر ما يعنيهم هو البحث في المصادر العلمية الجيدة ، رجال الدين أفسدوا عقولهم تماماً وأخضعوهم للسلطوية المستمدة من أعالي السحاب فلا فكاك منها . وجدتهم يتعاملون مع فكرة التوعية بالجسد على أنها خروج عن النص ، النص الفَوقي الذي استعبدهم . سأخبرك فقط أنّي أجبت في حساب المدونة على 400 سؤال ، وحذفت أكثر من ألفي سؤال ما بين شتائم ومحاولات هداية وأسئلة شرعية . وحتى الأسئلة التي أجبتها كانت نسبة كبيرة منها مكررة بشكل غريب ، لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الأسئلة المشابهة فضلاً عن البحث في المجلات الطبية والمصادر العلمية الموثوق بها ، مدونة صغيرة تتعرض لإبلاغات إليكترونية بالمئات يومياً مُعرضة للإغلاق من جوجل في أي لحظة وشتائم كثيرة تنهال عليَّ ، ما الذي يُجبرني على هذا ، فليتحمَّصوا في الجحيم بعلّاتهم الجسدية وسرعة قذفهم وجهلهم .

الغرب ليس أكثر تحضراً بشكل مطلق ونهائي ، هناك ـ أيضاً ـ تجد حمقى ومتخلفين ومنكفئين ورجعيين ، وتجد الكثير من المُحافظين والأخلاقيين ، في الغرب أيضاً هُناك رجال دين مجرمين يغتصبون الأطفال ويسرقون الكبار ويبيعون الماء على الفضائيات . لكن الفرق بيننا وبينهم يكمن في النخبة ، نُخبة العرب فاشلة وأسلوب تصعيدها أكثر فشلاً ، وسيلة ترقية المواطنين كي يصبحوا نخبة المجتمع هي إما بالتوريث في الدول الملكية أو بالتعريص في الدول الغير ملكية . لا الكفاءة تكفي ولا الإجادة تُجدي . لهذا وجد رجال الدين أنفسهم بعيداً عن وجود نُخبة مثقفة أو علماء حقيقيين لهم كلمة مسموعة ، ولك أن تتخيل مجتمع يعتبر محمد حسان وأبا إسحاق الحويني علماء حقيقيين . بينما تُثار في الغرب مناقشات حادة حول اعتبار علم الاجتماع علم حقيقي أو علم كاذب Pseudoscience ؛ يتبارى هَمَج صحاري العرب في استصدار مصطلحات جديدة يدمغون قبلها مصطلح "علم" ، لنرى علم العلاج بالرُقية وعلم الحجامة . الفرق بيننا وبين الغرب هو أن حماقتنا تتصدر الشاشة ويتم ترقيتها ، بينما حماقتهم تتم مكافحتها .

قررنا بداية مشروعنا الإليكتروني باللغة الإنجليزية ، لكن تواجهني مشكلة ضعف اللغة . درست الإنجليزية لتسعة أعوام متواصلة ولا زلت عاجزاً عن كتابة مقال طبي خالي من الأخطاء . أتمنى لكل مدرسي اللغة الإنجليزية في مصر أن يُشووا في نار جهنم خالدين فيها أبداً . لكني أكثر حظاً من الكثيرين على كل حال ؛ فلا زلت قادراً على القراءة بالإنجليزية والتعرف على الثقافة الغربية ومقارنتها . أُريدُ لنفسي في المستقبل ، خلال عامين مثلاً ، أن أصبح قادراً بشكل تام على الكتابة بالإنجليزية بطلاقة . وأُريد لوطني ، مصر ، أن يصبح أبناءها قادرين على رؤية مستنقعهم ومقارنته بالعالم الحقيقي حتى يستطيعوا الخروج منه ، اُريدُ لهم التعرف على باقي ثقافات العالم والتخلص من التكبر العربي الذي أوصلنا لما نحنُ فيه .

الخميس، 2 مايو 2013

الجيتو المسيحي

الجيتو هو التجمع السكانى الذى يقتصر أفراده على الإنتماء لطائفة دينية أو فكرية أو عرقية واحدة "غالباً دينية" وينعزلون عن وسطهم المُحيط مُحاولين تحقيق إكتفاء ذاتى فكرى وأحياناً مادى وربما لوجستى (1) فى حالات متطرفة ، ظهر المصطلح لأول مرة فى مدينة البندقية الإيطالية لوصف تجمعات اليهود المنعزلين الذين أرادوا بشكل مُبالغ فيه أن يحافظوا على تقاليدهم وإرثهم الدينى من أى محاولة إنفتاح .

بين كل الظواهر الدينية السلبية تبرز هذة الظاهرة كشوكة كبيرة تطعن التناسق الإجتماعى فى مصر ، تجد المسيحيون يشكلون كيان منعزل يمنع أفراده بعضهم بعضاً باستخدام الإجبار المجتمعى والضغط النفسى من التكامل مع باقى المجتمع . بالطبع لم ينشأ الأمر من الفراغ ولم يبدأ بلا سبب ، وإن كان أول جيتو فى العالم قد ظهر فى البندقية بإيطاليا فإن سببه كان إضطهاد اليهود وشعورهم بالخوف من المجتمع الأوروبى الرافض لهم مما أدى لتقوقعهم على أنفسهم وصناعة مجتمع يهودى مغلق ، ولطالما كانت هناك تلك الجيتوهات اليهودية فى كثير من دول العالم ، وتتراوح أسماءها ما بين "حارة اليهود" (2) .. "شارع اليهود" .. "تلة اليهود" ، وغيرها من التسميات التى تقطع بأن هذة الفئة لسبب ما كانت دوماً مُنعزلة ، وللأسف يبدو أن مصر تتجه لحالة مشابهة .

وعن الأسباب .. نتناول أولاً الاضطهاد ؛ عندما يشعر الإنسان بالخطر فإنه يلجأ عادة للإحتماء بقوميته العرقية أو الدينية أو الفكرية ، عندما تتعرض الأمم لأخطار تهدد وجودها تتلاشى القوميات الفرعية ويتوحد الجميع تحت راية الدولة ، تماماً كما يحدث فى حالة الأزمات الإنسانية أوالثورات أوالحروب ، لكن عندما يتعرض أحد عناصر الوطن لإضطهاد خاص فإن هذا يدفع أفراد القومية الدينية إلى الإحتماء ببعضهم البعض ، مثلاً أن تكون طالب جامعى مسيحى مصرى فهذا يعنى شعورك بالضعف والخوف لو تورطت فى مشاجرة مثلاً ، سيتحول الأمر فوراً للطائفية . لذالك يميل المسيحيون للتعامل مع أبناء دينهم لضمان المساواة .

ثانياً ؛ التهميش .. لا يمكن أبداً إنكار تعرض المسيحيين المصريين للتهميش ، حتى لو افترضنا عدم وجود خطوات ممنهجة فإن "التهميش النفسى" وهو أحد أشكال ازدراء الإنسان يُعتبر عامل مهم يدفع بالفرد المسيحى إلى العزلة . أن تكون مسيحيّاً فهذا يعنى شعورك بالدونية فى الوطن الذى ولدت به ، فُرصك فى النجاح وسط المسلمين مشكوك فيها ، أغلب مشاعر التهميش التى يشعر بها المسيحيون حقيقية ، لكن هناك نسبة لا يُستهان بها من هذة المشاعر تكون نتيجة "التسخين الطائفى" المسيحى ، القنوات الفضائية التى تبث من خارج الوطن ، رجال الدين المتطرفين ، لا أقول أنهم يصنعون شعور الازدراء الذى يشعر به المسيحيون تجاههم كبشر مختلفين فى العقيدة عن الأغلبية ، لكنهم يُضخمون هذا الشعور لدى الفرد المسيحى مما يؤدى لإذكاء روح الجيتو أكثر ، مثلاً تعبير "الشعب القبطى" و "ابناء الله" .. تعبيرات يمكن وصفها بأنها "جيتاويّة" بامتياز ، تدفع المسيحيين دفعاً لينعزلوا مكونين شعباً قبطياً داخل الشعب المصرى .

هناك أيضاً النشأة الجيتاوية وتربية الكنيسة ، أن تولد فى أسرة مسيحية فهذا طبيعى ، لكن أن تكون هذة الأسرة فى عمارة كل سكانها مسيحيين "وأحياناً شارع بالكامل أو قرية" ، وكل تعاملاتك مع مسيحيين ، ومعظم نشاطاتك تتمحور حول الكنيسة ودورها التربوى ، سيجعلك هذا بالطبع تشعر بالغربة عندما تبدأ فى التفاعل مع مُسلمين فى وسط الجامعة مثلاً . لا أُنادى بعزل الكنيسة عن دور التربية لكن أن تكون هذة التربية روحية لا اجتماعية ، لا يجب أن يصبح الفرد القبطى الذى يتعامل مع مختلف الأيدلوجيات والعقائد نسخة اجتماعية من راهب منعزل لا يتعامل إلا مع بنى دينه . وهناك ـ أحياناً ـ بعض الجهود التى تبذلها الكنيسة من أجل تفكيك الجيتو ، لكنها تبقى غير مؤثرة مادامت فى حيز النصائح والتوجيهات بدون تفكيك أسباب تكوين الجيتو نفسها ، وكانت إحدى توصيات مؤتمر الشباب الأرثوذكسى تحفيز الطلاب المسيحيين فى الجامعات على الإختلاط بغيرهم وعدم تكوين حائط عزلة ، لكنها تبقى كما قلنا توصيات فى إطار النصائح الهلامية .

ويبقى الفرز على الهوية والتصنيف الطائفى عاملاً أساسيّاً فى إضافة المزيد والمزيد من الطاقة للجيتو ، حتى بالنسبة للأشخاص الأكثر تنوّراً والغير مقتنعين بالإنعزال ، حتى الأشخاص الإجتماعيين هؤلاء يجدون أنفسهم مضطرين دوماً للتصنيف أمام الآخرين على أساس دينى استجابةً للفرز على الهوية الذى يمارسه المجتمع كسلوك عام بدءاً من خانة الدين فى بطاقة الهوية وليس انتهاءاً بـ "اسمك إيه ؟ هانى .. هانى إيه ؟ هانى سعد .. هانى سعد إيه ؟ هانى سعد بيشوى ـ الآن عرفت أنك مسيحى ، تم تصنيفك  " تخيل مواطناً مسيحياً يجد نفسه مضطراً دائماً لتبرير موقفه كمسيحى ، مضطر دائماً لتوضيح أنه مسيحى ، مطاعم إسلامية وأخرى مسيحية ، محلات ملابس لا تقبل إلا موظفين مسلمين وأخرى لا تقبل إلا مسيحيين ، أماكن معينة مخصصة للمسيحيين عُرفاً ، لا توجد فرصة كى يشعر بمصريته ، يلجأ إلى التصنيف الذى طوّقه به المجتمع ، يلجأ إلى الجيتو .

وعلى غرار الجيتو السُكّانى (3) أى انعزال المسيحيين فى تجمعات سكنية واحدة ، هناك أيضاَ الجيتو التعليمى (4) بمعنى تقارب الطلاب المسيحيين فى الجامعات والمدارس تحت ضغط الأسباب السابقة حتى يكونوا كتلة واحدة "حماية الجيتو" . وهناك أيضاً جيتوهات متنوعة فى مجالات العمل والمطاعم والكافيهات ، لقد فقدنا التجانس الإجتماعى "Social harmony" تحت ضغط الكُتل الطائفية التى تضرب الوطن ، لن تُجدى الشعارات المجوّفة المكررة اللزجة ، يجب أن نستأصل الأسباب ، الوطن أصبح مثل شبكة اجتماعية تتخللها عُقَد ونتوءات تجعلها غير صالحة ، هذة العُقَد اسمها الجيتو المسيحى .

____

(1) الجيتو اللوجيستى أى أن يعتمد الأفراد على طائفتهم الدينية فى الإحتياجات اليومية كالطعام وشراء الإحتياجات اليومية دون غيرهم ، كالشخص الذى لا يأكل إلا من مطاعم المسلمين أو الذى لا يأكل إلا طعام المسيحيين ولا يشترى إلا منهم .

(2) كانت هناك حارة كبيرة لليهود فى مصر بجوار شارع الموسكى بها 360 حارة صغيرة بالإضافة لـ 13 معبد يهودى .

(3) هُناك سماسرة عقارات متخصصين فى حشد المسيحيين فى عقارات متقاربة بعيداً عن أى وجود لساكن مُسلم .

(4) فى كثير من الجامعات المصرية الحكومية يوجد ما يسمى الـ CH وهو مكان معين بالحرم الجامعى يتجمع به المسيحيون دون غيرهم ، وهناك أماكن معينة بممرات الجامعات وقاعات الدراسة مخصصة للمسيحيين بشكل مُتفق عليه .

الاثنين، 29 أبريل 2013

التدفق الطَبَقي

من سمات المُجتمع الصحّى أن الحدود بين الطبقات ليست حدود مغلقة يصعب عبورها ؛ وإنما هى من المرونة بحيث تُتيح لشخص قادم من أدنى قاع المجتمع أن يستغل إمكانياته ومواهبة فى الصعود طبقيّاً والتدرُّج إجتماعياً لأقصى حد . لكن هذة النظرة اليوتوبية "المثالية" لا تجد لها مكاناً فى المجتمع الشرقى العربى عموماً والمصرى خصوصاً ، ليس لأنه مُجتمع طبقى ؛ فالطبقية ليست عيباً مادامت قائمة على أُسس سليمة ، لكن لأن آلية الإنتقال الطبقى ـ أى صعود الفرد من طبقته الإجتماعية إلى ما هو أعلى مُعتمداً على إمكاناته الشخصية ـ تُعانى من مشاكل كثيرة ليس آخرها الميراث الإقطاعى النفسى فى قُدامى المُرفّهين الذين تتجذّر فى نفوسهم مشاعر الأصالة ونقاء العِرق إلى آخره . 

فمن بداية الصعود وحتى أقصاه ، يواجه الأشخاص المُفعمون بالطموح عقبات كثيرة تتنوع حسب مستوى "القاع" الذى هُم قادمون منه ومستوى "القمة" التى يريدون الوصول إليها ، فهُناك سمات معينة إن توافرت بدرجة معينة فى القاع قد يكون هو الأكثر إنحطاطاً فى العُرف البرجوازى القاهرى ، مثلاً أشباه الأثرياء فى المناطق الشعبية بالقاهرة أكثر رُقيّاً ـ بالنظرة البرجوازية المريضة ـ من أثرياء الصعيد ، وأثرياء المُدن الكُبرى بالصعيد أكثر رُقيّاً من صغار الإقطاعيين بالقُرى والنجوع الذين هُم بدورهم أكثر رًقيّاً من فُقراء القُرى الصعيدية ، وعلى هذا المقياس الأحمق الذى تكوّن بالوراثة والإكتساب يُصبح الفرد القادم من قرية صعيدية عادية وليس إقطاعياً هو قادم ـ حرفياً ـ من قاع المجتمع .

هذا المقياس لن تجده فى أى إحصائية حكومية ، لكنك ستشعر به يلمس أعصابك لو تعاملت مع أى مؤسسة أو شركة قطاع خاص يمتلكها برجوازى قاهرى ، حيث أن القاهريين وأهل الاسكندرية يسكنون ـ عُرفاً ـ قمة الهرم الإجتماعى بحُكم شهادة الميلاد والتوجه الحكومى الراسخ من عشرات السنين بتفضيل الشمال على الجنوب واستئثاره بكل ما هو مُمكن فتنحدر مستوى الإمتيازات تدريجياً كلما اتجهنا جنوباً حتى تكاد تنعدم فى مناطق مُعينة ثم ترتفع مرة أخرى فى الأقصر السياحية لأنها توفّر مصادر الدخل للحكومة البرجوازية ثم تُعاود الإختفاء مرة أخرى مع الإبتعاد عن مصادر السياحة .

ويُعانى أبناء الطبقة الوسطى فما أقل مُعاناة شديدة لسببين ؛ أولهما العنصرية المقيتة التى يُظهرها ويُخفيها البرجوازيون والأرستقراطيون الجُدد والقُدامى فى المدن الكبرى والتجمعات الحضارية ، ثانياً الشعور المُترسّب داخل الفرد القادم من قَعر المجتمع راغباً فى الطفو إلى سطحه ، فهو ـ غالباً ـ يشعر إما بالإمتنان والعرفان بالجميل لكل من يمد لهُ يد العون ؛ ويتوقع دائماً أن يوجد هذا الشخص الذى ينتشله من كل مطب فى طريق الصعود ؛ وهنا قد يتحول الفرد الصاعد إلى شخص وصولى مُتسلق مُتملق حقير . وإما يشعر بالحقد والكراهية تجاه كل ما هو طبقى ، وهُنا قد يتحول لحشرة تافهة تُنادى بمبادئ وقيم ليس لها معنى إلا فى خياله فيُهدر أيام حياته فى مشاعر سلبية بالحقد على الأثرياء والمُرفهين . 

هذة الحالة ليست هى المرض الإجتماعى الوحيد لكنها الأخطر ، فصعوبة التدفق بين الطبقات الإجتماعية تؤدى غالباً إلى انتشار مشاعر الكراهية والحقد وزيادة أعداد المُتسلقين والوصوليين وهو ما يؤدى بالتبعية إلى ظهور طبقة مُتوحشة من البرجوازيين المُحدثين الذين بذلوا كل ما هو غير أخلاقى للوصول إلى وضعهم الإجتماعى ويريدون بذل المزيد من أجل الحفاظ على هذا الوضع بأى ثمن ولو على حساب الكفاءات الواعدة الحقيقية ، ويمكنك أن ترى علامات هذة الطبقة فى أسماء مُعينة من المليونيرات الجُدد منهم احمد عز وأمثاله الذى تسلّق سياسياً وإجتماعياً على أكتاف النظام الأوتوقراطى السابق ؛ والمتسلقين على النظام الثيوقراطى الحاكم حالياً .

ما نحتاجه ليس فقط إعادة تثقيف المجتمع ؛ وإنما تفعيل وسائل الترقية الإجتماعية وتمكينها فى الأماكن الأكثر تعرضاً للاضطهاد الطبقى والعنصرية ـ أعنى الصعيد بصراحة ـ وتحويل المدن الصعيدية الكُبرى إلى تجمعات حضارية حقيقية تُصبح مراكز جذب حضاري وإجتماعي حتى لا يجد الطموحون أنفسهم فى مواجهة حتمية مع مجموعة من العُنصريين البرجوازيين الحمقى الذين قد يمنعوا مواهب كثيرة من الظهور فقط من أجل الحفاظ على نقاءهم الإجتماعى المزعوم . قد ننتظر كثيراً قبل أن يحدث هذا ، قد ننتظر على الأقل حتى وجود رؤية سياسية مُخلصة تنظر جنوباً .


الاثنين، 15 أبريل 2013

أعداء العِلم

نشرت شبكة مباشر 6 أبريل على الفيسبوك منذ يومين خبراً مفاده أن طالباً مصرياً ما استطاع ابتكار نظرية فيزيائية ما ستهدم إن شاء الله نسبية أينشتين ، وتحمل كلمات المنشور فى طياتها كماً كبيراً من التضخيم للبحث العلمى الذى قام به الطالب المصرى ، كما أرفقت الشبكة بالخبر صورة لأينشتين بجوار الطالب فى دلالة واضحة على أن المصرى تفوّق على أينشتين . هكذا بدون وضع النظرية أمام مؤتمر علمى أو تصعيدها فى المحافل العلمية أثبتت شبكة مباشر 6 أبريل أن أينشتين يتلوى فى قبره بعد أن ماتت نظريته .

بصراحة كان يمكن أن يكون خبراً غثاً من جملة مخلفات الإعلام المصرى الذى على استعداد لنشر أى شئ يحمل سمة التفوق الذاتى بدون أى نوع من المهنية الإعلامية ، لكن ما استفزنى فعلاً هو ركاكة الأخلاق التى يمكن أن يقع فيها صحفى تابع لمؤسسة محترمة ونضالية مثل 6 أبريل لدرجة أن يُسئ إلى فكرة العِلم فى أذهان المصريين بهذة الدرجة ، فلا هو بحث علمى موثق أو معترف به من مؤتمر علمى ولا هو اكتشاف حاصل على براءة اختراع ولا هى نظرية تم توثيقها فى الشهر العقارى وإنما مجرد بحث دراسى تقدم به طالب لمُعلمة الذى هو أستاذ فى مجال الفيزياء ولو وجد البحث حارقاً خارقاً لتم تصعيده على المستويات العلمية ، ولا أظن أن هناك مؤامرة كونية على الطالب حتى يتم دفن عبقريته من قبل أساتذة قسم الفيزياء بجامعته . فعندما قام طالب من مدرسة ثانوية بزيمبابوى بوضع نظرية فيزيائية تنص على أن الماء الساخن يتجمد بشكل أسرع من الماء الفاتر لم يقف أحد من دولة العالم الرابع هذة فى وجه نظريته بل تم تصعيدها فى المحافل العلمية وإثباتها عملياً وسميت باسمه ويمكنكم تقصى هذة المعلومة ، إذاً فما الداعى لإثارة النعرات المازوشية لدى الشعب وإشعاره أن هناك حملة كونية من أجل إجهاض عباقرته . 

ولم يأتْ الخبر مستفزاً فقط على المستوى المهنى ، لكنه لفت النظر إلى حالة عداء العلم التى نعيشها ـ نحن العرب ـ كل يوم ونتعاطاها مع كل وجبة ، كان يُمكن مثلاً القول بأنه تم "عَكس" نسبية أينشتين ، أو أن عالماً ما أتى بنظرية مخالفة لنظرية أينشتين ، لكن أن تُصاغ العبارة بكلمة "دحض / هدم" فهذا يدل على أننا نضع العلم دوماً موضع العداء .

وعلى نفس السياق تعمل شبكة الجزيرة الإخبارية ، التى ـ بدون سبب وجيه ـ تسلك مسلكاً مُعادياً لنظرية داروين بشكل مُريب ، كأن داروين كان شريكاً لسمو الأمير حمد ثم تم فض الشراكة بسبب اختلاف على توزيع مناطق النفوذ . حيث قامت الشبكة بنشر تقرير بعنوان "الانسان اصله انسان" جاء فى ديباجته ومحوره مواد علمية مزيفة تحاول إثبات عكس نظرية داروين ، وأنصحكم بقراءة النقد العلمى لهذا التقرير من مدونة أصحاب العقول النيرة هـــــنــــا ؛ الخلاصة أن الجزيرة زوّرت ودلّست وأساءت للمهنة وخالفت أخلاقياتها من أجل معاداة نظرية التطور ، لماذا نُعادى العلم لهذة الدرجة ؟!

لا أدعو ـ وما ينبغى لى ـ إلى تقديس بعض النظريات العلمية ووضعها فى منطقة فوق النقد والدحض ، لكن أدعو إلى التعامل مع العلم بعلم ، لا بمنطق العداء والقبيلة تُشهر سلاحها ضد القبيلة ، ليس فقط لأن هذا الأسلوب مُشين ومعيب ولكن لأنه أيضاً غير مُجدى ، فمهما استخدمت الميديا من أجل تشويه سمعة فكرة ستظل المحافل العلمية والأوساط الفكرية تتبناها حتى تخرج فكرة أخرى تعكسها من المعمل لا من الاستوديو ، ما زلنا نعيش فى وهم الكاميرا التى ستهزم أنبوبة الاختبار ، لا لن تفعل ولو حدث سيكون هذا فى عقول العامة فقط لا فى عقول الذين يُديرون العالم من صفوة العلماء والمفكرين ، يُمكن للجزيرة أن تنتج بأموال قطر ألف فيلم وثائقى تُقسم فيها أن التطور خطأ علمى ، لكنها ستبقى النظرية الأكثر شيوعاً فى الأوساط العلمية حتى تخرج نظرية أخرى ولو حتى من معمل متواضع تثبت عكس ذالك ، يمكنكم مشاهدة فيديو المكانة الحقيقة لنظرية التطور فى الأوساط العلمية اضغط هـــنـــا .

الاثنين، 1 أبريل 2013

خواطر تدور حول الأستروجين

مُقدّمة : هذا مقال ركيك جداً ومُفكّك وتقليدى لا يُعبّر أبداً عن مشاكل البنات ولا يشرح بأمانة وضعهن فى المجتمع ، كان يجب أن أُعيد كتابته لكنى لم أفعل رغم استطاعتى .. لأنى لا أهتم .
___

يعجبنى أسلوب الكاتب المصرى خالد البرى بشكل عام ، وتحديداً أسلوبه فى مخاطبة القارئ بصيغة المؤنث . ولا أظن ـ ربما أكون مخطئاً ـ أن هناك كاتب آخر قد اتبع هذا الأسلوب من قبل متجاهلاً كل ذكورية اللغة . فمهما كان موضوع المقال ترتسم على وجهى ابتسامة كلما رأيته يقول "لاحظى ـ اسمعى ـ اقرأى" .. هذا الرجل رائع لا شك . وروعته هذة لا تُستمد من ذات الفعل ولكن من تناقض الفعل مع الوسط المحيط ، الزهور ليست رائعة إذا كنت تعيش على كوكب الزهور لكنها تصبح كذالك على الأرض . وبالمثل ؛ فى وسط كل هذة الذكورية والسيطرة الأبوّية وتراجع الدور النَسَوى فى كل شئ .. كل شئ ، أصبح مجرد وجود كاتب يخاطب قرائه بصيغة المؤنث شئ رائع .

فى وطنى الجميل هناك حالة من الإنقسام الشبكى جداً اللانهائى حول الدور الذى يُفترض بالمرأة أن تتحمله فى مجتمعها ، أعتقد أن مجرد وجود نقاش حول هذا الموضوع دليل قاطع على أننا مزدوجون إحساساً وتفكيرا ، عنصريون قلباً وقالباً . معاملة المرأة كـ كائن منفصل مستقل كالشجرة والبحر والهرم ، هى تقع خارج الحيز الذى يقع فيه الذكر ، وكأن الفارق ليس بضعة ملليلترات من هرمون الأستروجين وهرمونات أخرى لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة لو وضعت فى أنبوبة إختبار ، هذة الهرمونات صنعت من نصف العالم قادة ومن النصف الآخر أتباع . لستِ مثلنا ، أنت امرأة .. لكن لا تخافى سنجد لكِ دوراً ، ما رأيك أن تكونى أمّاً فاضلة .. نعم ستكون هذة هى مهمتك فى الحياة ، أنا أب فاضل وأنتى أم فاضلة . . هذا ليس عدلاً يا ابن العاهرة .. لا يمكنك أن تُسند للمرأة دور مُسنَد لها أصلاً ، كأنك تقول لطالب صيدلة : "لقد وجدت لك عملاً ، ما رأيك أن تدرس الكيمياء ؟" ، لكن الفرق أن طلاب الصيدلة طويلى اللسان وسيردون عليك الجملة بأضعافها مُعرّضين بشرف أمك ، لكن المرأة ستتناقش ، وتتفاوض ، وتُطالب وتتظاهر فى أفضل الأحوال .

تحكى صديقتى الإفتراضية على الحائط الإفتراضى قصة حقيقية لسيدة حقيقية متزوجة من رجل حقيقى وهى عاقر ، وافقت على زواج زوجها للمرة الثانية حتى يحصل على من يحفظ السلالة النادرة من الإنقراض . وأصبحت مجرد خادمة لـ زوجة زوجها وابنهما ، وتتسائل صديقتى الطبيبة .. لو كانت هذة المرأة فى وَسَط محترم ، هل كانت لتصبح فى هذا الوضع ؟ ربما استطاعت أن تعمل وتنفق على نفسها وتمتلك قرارات حياتها فتطلب الطلاق وتعيش حرة ، ويستبد الخيال بصديقتى فترى المرأة وقد تبنّت طفلاً يعوضها عن عدم قدرتها على الإنجاب . أحافظ على أنفى من الإنفجار فلا أُطلق شخرة تمتد كسرب حمام من بغداد إلى الصين إعتراضاً وإستهجاناً لكل ما هو ذكورى سلطوى ، لكنى سأطرح سؤالاً كمثقف جنتلمان محترم .. لماذا يحدث كل هذا ؟

ما الذى يمنعها من العمل وطلب الطلاق وتبنى طفل ؟ هناك أشياء .. من هذة الأشياء مثلاً أن كثيرون سيصفونها بالداعرة المطلقة التى تعيش بمفردها ، بالمناسبة غالباً الذين يصفون أى امرأة بهذة المجموعة من الصفات يكون هذا تعبير عن رغبة مكبوتة داخلهم فى أن يصبحوا أحد الذين يشاركونها السرير ، فيطلقون من أدمغتهم فكرة أن هناك كثيرين قد فعلوا هذا من قبل لكى يبرروا لأنفسهم الشهوة ، والشهوة ليست عيب أصلاً فى حد ذاتها لكنهم تربّوا من آبائهم وأمهاتهم على أن الشهوة عيب ويجب تبريرها ، لا يمكن لأحد أن يقول "أشتهى تلك الفتاة" دون أن يضيف تبرير "الشر*ـو*ـة" .. يعتقد أنه ليس من حقه أن يشتهيها لو كانت ملتزمة أخلاقياً . ما علينا .. نعود للموضوع ؛ إذاً فما يمنع هذة المرأة من الطلاق وتبنى طفل ليس أن الرجال يشتهونها ، طبيعى أن يشتهيها الرجال لو كانت جميلة فتلك غريزة . لكن أن الرجال الذين يشتهونها سينغصون حياتها ، لأنهم متربيين على أن الشهوة معناها الرخامة والرذالة والوقاحة . إذاً أول شئ يمنعها من الإستقلال هو سوء تربية ذكور المجتمع .

وربما لأن هذة المرأة ـ والمرأة المصرية عموماً ـ تُمجّد المجتمع البطريركى وتمارس قواعده بإخلاص ، والبطريركية هنا هى مجتمع قيادة الذكور . عندما قالت لها صديقتى "لماذا لم تطلبى الطلاق" .. قالت : "إلى أين أذهب !" ، إنها امرأة ضعيفة تحتاج إلى رجل تلجأ إليه ، أى رجل .. أب / أخ / زوج / ابن . المهم أن يكون إنسان لديه نسبة كافية من التستوستيرون تكفل له إحترام المجتمع وتمنحه ـ عُرفاً ـ صك التفوق النوعى . ويُقال أنه منذ عشرات الآلاف من الأعوام كان المجتمع ماترياركياً تقود فيه النساء العالم ، لكن الأمر فشل بشكل أو بآخر ، ثم قارب الجنس البشرى على الإنقراض منذ مائتى ألف عام تقريباً حتى لم يتبقى إلا بعض الأفراد كان من بينهم الأنثى التى استطاع نسلها الإستمرار حتى اليوم ، جدتنا الكبرى . ومن بعدها انقلبت الموازين فى إتجاه السيطرة الذكورية ، فأصبح الرجال على مر الأجيال هم الأقوى عضليّاً وربما عقليّاً بحكم إضطلاعهم بمهام إدارة العالم ، وتطورت مشاعر المرأة فى إتجاه الإرهاف وتغيرت أولوياتها لتصبح المرأة الناجحة هى من تمارس دورها الثانوى بشكل مثالى . لكن مع التسارع الزمنى الذى حدث فى العقدين الأخيرين أعتقد أننا فى الوقت المناسب لتخطى البطريركية بشكل كامل ، وبالطبع لا يعنى هذا الإرتداد للعكس لكن التوسط ، حاجة زى أبوالفتوح كده مع فارق البيض .

لكن تجاوز بطريركية المجتمع وذكوريته ليست شيئاً سهلاً ، والدعوات التى يوجهها المتنورين الغرورين بالتحول إلى الإعتدال الفكرى الآن وفوراً هى مجرد هراء فارغ ، تجاوز الذكورية يحتاج أجيال كثيرة ، وربما عشرات السنين نقضيها فى تأهيل أجيال من الفتيات وتربيتهن بشكل ملائم للإضطلاع بالقيادة ، سيحدث هذا بالطبع بعد تمكنهن من قيادة السيارة فى السعودية أولاً !

إذاً فالقضية تكمن فى الأشياء الصغيرة ، النظرة المُجتمعيّة ، الشعور الداخلى بالضعف . وهو ما يمكننا نظرياً تغييره حتى وإن تطلب ذالك وقتاً ، لكن على أرض الواقع هناك نكسات كثيرة تحدث فى مجال تحرير المرأة ، ويمكنك أن تقارن بين العصر الذى قامت فيه هدى شعراوى عام 1919 ومعها نساء مصريات متنورات بتمزيق البراقع فى ميدان التحرير ، وبين عام 2013 الذى أصبحت فيه كثير من الفتيات لا تستطيع المجاهرة برفضها للحجاب . نحن فى إنتكاسة حقيقية ، سببها تزايد التيار الدينى المتطرف وسيطرته بتشريعاته البربرية على المقدرات النفسيّة للمجتمع ، فإن كان تحرير المرأة هو تغيير نظرة المجتمع لتصرفاتها فإن هذا مستحيل فى ظل نظام تشريعى شمولى ثيوقراطى ، وإن كنا نحتاج لتغيير نظرتها لنفسها وشعورها بالإحتياج فإن ذالك مستحيل ما دامت مقتنعة بأنها عورة . من أين تأتى البداية إذاً ؟ .. من مواجهة التطرف الدينى .

ها قد مارست دورى التنويرى وأرضيت ضميرى الميت وأرشدتكم إلى طريق البداية ، لكنى ـ بصراحة ـ لن أُناضل فى سبيل تحرير المرأة ، تماماً كما أنى لن أناضل فى سبيل تحرير الشعب الأوغندى مثلاً ، أبناء أوغندا أَولَى بالنضال ، لو كنت امرأة لما تركت حقى يضيع . لكن بما أنى رجل فلن أُجهد نفسى من أجل بعض الحمقاوات الراضيات بضياع حقوقهن ، غفر الله لقاسم بك أمين الذى لطالما تلقى الإهانات من نساء أَلَفن حياة العبودية . ببساطة لن تحرر المرأة إلا المرأة ، وأى محاولة تحررية لا يكون جوهرها نسوى بحت ستبوء بالفشل .





الجمعة، 29 مارس 2013

أوقفوا هذا الإهدار

العام الماضى كنت أتابع بشكل تلقائى عملية بناء مسجد بالجهود الذاتية فى مدينة بنى سويف الجديدة ، كان المشروع عبارة عن مستوصف خيرى ومسجد وقاعة مناسبات . وتم الحصول على الأرض بالتبرع من أحد رجال الأعمال ، كان معدل جمع التبرعات بطيئاً بالنسبة لمشروع كهذا لدرجة أنه استغرق حوالى 3 أعوام لينتهى ، تم إفتتاح المسجد للصلاة منذ شهرين تقريباً ، واليوم كانت أول مرة أصلى فيه الجمعة .

بدايةً يصدمك الترف ، ترف مبالغ فيه بشكل غريب ! ، بمجرد أن وطأت قدمى السجاد شعرت بأن هناك حالة غريبة من الإهدار ، تراكمت فى ذهنى الصور عن الرسول وهو يقف فوق جذع نخلة ليخطب ، ومسجد الصحابة الذى كانت أرضه مفروشة بالحصى ، وشيخ المسجد فى القرية الذى حذرنا من التشبه بالـ "نصارى" فى تزيين كنائسهم ، تخيلت رجلاً يخرج عشرة جنيهات ليضعها فى صندوق تبرعات بناء المسجد ، فيكون مصيرها أن تدفع إلى بائع الرخام مع غيرها لتساعد فى وضع نحت على حائط المسجد بأسماء الله الحسنى !. لوحات رخامية ضخمة هنا وهناك تغطى حوائط بأكملها ، عليها آيات قرآنية مكتوبة بخط النسخ لا تتماشى أبداً حتى مع المشهد الجمالى للمسجد ككُل . تذكرت مدرستى القديمة وكيف اضطررنا للتكدس فى مبنى واحد لأن المبنى الآخر آيل للسقوط .

ما كل هذا الإسراف ، ما كل هذا العته والجنون والتناقض والغباء وتخلف الإدارة الذى يعانى منه الوطن ، كيف نسمح بوضع مئات الآلاف من الجنيهات فى مكان من المفترض به أن يكون مثالاً للزهد فى الدنيا ، أين هؤلاء المتنطعين الجرابيع السلفيين من هذا الإسراف والخروج عن سنة الرسول ، أم أننا لن نسمع أصواتهم تلك أنكر الأصوات إلا فى الفتن الطائفية والكذب والزور ، كل جنية تم وضع فى مظاهر البذخ والجنون يجب أن يُسترجع كاملاً ويتم توجيهه بحيث يتماشى على الأقل مع إنسانيتنا .

يُقال أن العرب قديماً عندما وجدوا صنمهم الذى يعبدون "هُبَل" قد كُسرت ذراعه ، وضعوا له ذراعاً من ذهب ، حدث هذا بينما كان الفقراء يتضورون جوعاً والقبائل تأكل لحم بعضها . وما زالت فينا الجاهلية ، لم نستطع أن نُدرك الفرق بين عبادة الأصنام التى تحتاج إلى مظاهر تقديسية واضحة وعبادة الله ، لم نفهم الفرق بين العبادة التى تنحدر بنا إلى مجرد حمقى مدفوعين بغريزة التقديس إلى بشر مُحترمين لهم عقول يُدركون بها ، لم نستطع أن نتخلص من العبادة الخارجية المظهرية ونسلك طريقنا إلى تلك التى تُنقّى الروح .

متى بدأت هذة الحالة المرضية عند المسلمين ؟ .. لم تحدث فى عصر الخلفاء الراشدين ، لكن فى عصور الإضمحلال الدينى وسيطر الفقهاء والوعاظ وتراجع دور المفكرين على حساب مواكب الخلفاء ، تأثر الخلفاء بالفرس فى طقوسهم وأدخلوا منها إلى الإسلام ما استطاعوا ، وكان ممّا استطاعوا أن استنزفوا موارد الدولة ووضعوها فى تذهيب حوائط المساجد ، وكان مما استطاعوا أن جعلوا فكرة الله فى عقول العامة مقرونة بالمظاهر الفجة القبيحة من الإهدار والسلطوية حتى أصبح هناك تيار فكرى يرفض تماماً أى إعتراض حتى لو تم تفريغ كل خزينة الدولة , وتفريغ كل جيوب المواطنين الطامعين فى الجنة ، من أجل بناء مسجد .

"ما يفعل الله بعذابكم" ، "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" ، "إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" ؛ هذة آيات لم تكن موجودة على حوائط المسجد ، ربما لأنهم يدركون تماماً كم تتناقض مع شراهة الإسراف . تخيل كم مسجداً بسيطاً كان يمكن إنشاءه فى القرى الفقيرة لو تم توفير الأموال التى أُلقيت هباءاً فى صناعة الرخام الفاخر . تخيل كم تلميذاً فقيراً يمكن توفير تعليم محترم له , أو تخيل كم جائع / عارى يمكن مساعدته ! ، أوقفوا هذا الترف .

الملاك الجريح ـ هوجو سيمبيرج ـ 1903 ـ من مدونة لوحات عالمية

الجمعة، 22 مارس 2013

هرتلات عن القتل وأشياء أخرى


أعتقد أن كل من ولدوا فى القرن العشرين وما بعده هم الأكثر حظاً فى تاريخ البشرية ، وبنظرة أكثر دقة يمكننا القول أنهم سيعيشون أعماراً مضاعفة ، ويمكنهم أن يكتسبوا خبرات عشرة أجيال على الأقل من تلك التى سبقت هذا القرن ، ذالك لأن معدل تسابق التطور الفكرى والتقنى والأدبى للجنس البشرى قد تضاعف بهذة النسبة أو أكثر فى القرنين العشرين والواحد والعشرين ، فإذا كنت من مواليد عام 1993 مثلى فإن وصولك لعام 2013 لا يعنى فقط عشرين عاماً من البشرية ، لكن يعنى أكثر من مائة وخمسين ألف عام ، لأن هذة الأعوام العشرين قد حدثت بها من التغيرات ما يفوق كل الذى حدث على الكوكب منذ ظهور حواء الميتوكوندريا ، أو ظهور الأصل المشترك الذى انبثقت عنه كل السلالة البشرية .

وحواء الميتوكوندريا هى المرأة التى استطاعت توريث جيناتها إلى كل البشر الحاليين ، ولا يعنى هذا أنها "حواء الدين" التى رافقت آدم فى قصة الخلق الشهيرة ، فقد كان لها أقران لكنهم لم يستطيعوا توريث جيناتهم لأسباب ما ، ويقدر العلماء العصر التى عاشت فيه هذة الجدة من 150 إلى 200 ألف عام مضت ( فيديو لتوضيح فكرة حواء الميتوكوندريا اضغط هــنــا ) ، ومنذ هذة الفترة لم يحدث أن تطورت البشرية بنفس الكم والكيف الذى حدث فى العشرين عاماً الماضية فقط ، ويمكنك تخيل أجيال بأكملها مرّت على الكوكب دون أى اكتشاف جديد أو معرفة علمية مُضافة ، لكن لا يمكنك أن تتخيل فى العصر الحالى يوماً يمُر دون معرفة علمية مضافة أو إكتشاف جديد . كل هذا حدث بسبب الفلسفة .

وإن كان الكثيرون يُرجعون التطور الحادث فى القرنين العشرين والواحد والعشرين إلى كوكبة من العلماء على رأسهم أينشتين ونيوتن مثلاً ، لكن واقع الأمر أن هذة الطفرة البشرية لم تقم إلا على أكتاف بوذا وكونفوشيوس وأفلاطون وأبيقور ونيتشه والمسيح ، ذالك لأن هؤلاء الفلاسفة كانوا هم حجر الزاوية والإنطلاقة الفارقة ما بين عصرين ، عصر ما قبل الفلسفة ، وعصر ما بعدها .
ولتوضيح هذة النقطة يجب أن نتناول الزمن ؛ وعلاقته بتسارع الأحداث ، وعلاقة الأحداث بوجود الفلاسفة ، بدايةُ لا يُمكن الجزم بعدم وجود فلاسفة فى عصور ما قبل تدوين الحضارة ، وفى نفس الوقت لا يمكن إفتراض وجود حضارة بدون فكر ناضج ، هذا يضعنا أمام معضلة تستدعى وضع إفتراضات ، فإما أن العقل البشرى تطوّر بسرعة خلال بضعة آلاف من الأعوام فقط ليصبح مؤهلاً لإستيعاب الفلسفة وقبلها لم تكن موجودة ولم تكن هناك حضارة ، وإما أن الفلسفة كانت موجودة ، والحضارات كانت موجودة . لكن كارثة ما أو ضياع ما أدى إلى إندثار هذة الحضارات فلم تصل إلينا معرفة كافية بما كان ، أو ربما تصادم الفكر الفلسفى البنّاء الثائر بفكر دينى ما راكد ورجعى استطاع كبح جماحه ، ، مما أدى إلى استمرارية عصور ما قبل التاريخ لفترات طويلة جداً ، وبمجرد أن استطاع الفكر الفلسفى العبور من مأزق الرجعية ، بدأ التاريخ .

وأنا شخصيّاً أميل إلى هذا التفسير ، ذالك لأن الفلاسفة كانوا دوماً فى صدام دائم مع الدين وأتباعه . لذالك سأفترض أن عصور ما قبل التاريخ هى عصور ما قبل الفلسفة ، والعصور التاريخية هى عصور فلسفية . وإمعاناً فى الخيال ، ولأن هذة مدوّنتى أكتب فيها ما أريد متحديّاً أى منطق ، سأطرح فكرة التقويم الفلسفى كبديل للتقويمات الشمسية والقمرية فى حساب الزمن ، وفكرته بسيطة جداً ، يمكننا إعتبار الفترة الزمنية التى تستحدث فيها البشرية عشرة أفكار فلسفية هامة عاماً فلسفياً ، وهذا العام يُقسّم إلى أسماء أشخاص مؤثرينكشهور ، فنقول مثلاً أن أول عام فلسفى يبدأ بشهر إيمحوتب ، وهكذا ، وربما نلجأ إلى المؤرخين لضبط معايير هذا التقويم وترتيب أجزائه . لكن ماذا عن عصورما قبل التاريخ ؟  .. كل هذة العصور كانت خاوية من أى تقدم بشرى ، وطبقاً للتفسير الذى تميل إليه نفسى ؛ كانت السيطرة الدينية واضحة على العقل البشرى ، لذالك سنسمى هذة العصور جميعاً الشهر الأسود ، لأنها ورغم إمتدادها على حيز كبير من الأعوام الشمسية ، إلا أنها لا تتعدى فى عمرها الفلسفى شهر واحد ، ذالك أن الشهر فى التقويم الفلسفى هو مدة حدوث حدث ما ؛ هذا الحدث كان عدم وجود فلاسفة ، لذالك فقد كان شهراً أسوداً .

وهذا التقويم ليس له أى علاقة بالتقويم الشمسى ، فمثلاً قد تمر عشرة أعوام شمسية نعتبرها شهراً واحداً فلسفيّاً ، لأن هذة الأعوام لم تشهد سوى حدث واحد ، وفى العصر الحالى يمكن إعتبار كل يوم هو شهر فلسفى بل وربما عام كامل ، لذالك فإننا لسنا فقط فى عصر التسارع التقنى والأدبى ، بل إننا ـ فلسفيّاً ـ فى عصر التسارع الزمنى ، وعليه فإن حياتك لمدة عشرين عام يمكن إعتبارها مائة ألف عام ، أو مائتى ألف عام حسب إلمامك الفكرى بما يدور حولك .

لا عليك ؛ لا تستمع لهذة الهرتلات عن التسارع الزمنى وعصور الفلسفة ، يمكنك أن تنسى كل ما سبق فقد كان مقدمةٌ غير مهمة لشئ ما أود الحديث عنه ، وهو القتل . منذ قليل كنت أشاهد مسرحية "الهمجى" للفنان المصرى محمد صبحى ، واستوقفتنى أحد المشاهد واستفزت أصابعى للكتابة ، عندما قال الراوى فى المسرحية "ارتكب الإنسان أبشع جرائمه ؛ القتل" . هل يستحق القتل هذة الوصمة التى نلصقه بها دائماً ، هل هو فعلأً أبشع الجرائم البشريّة على الإطلاق ، أم أن هناك وجهة نظر أخرى يمكننا أن نتناول هذا الفعل من ناحيتها ، يبدو واضحاً لك أنى أريد مناقشة هذة الوجهة الأخرى وإلا ما كنت أرهقت نفسى بالكتابة أصلاً .

أعتقد أن التعريف الأمثل للقتل ليس هو مجرد إزهاق حياة كائن آخر ، ربما هو "إستدعاء الموت" ؛ أو تحقيق النهاية الطبيعية للإنسان ، وهو يختلف عن الموت الطبيعى فى أنه يكون متوقعا ومعدا له من قبل إنسان آخر ، إذا فهذة الحالة فضلاً عن أنها إرضاء لنداء الطبيعة بإعادة جسد الإنسان إلى الأرض ، فإنها أيضاً إرضاء لنداء الشهوة البشرية ، فضلاَ عن المكاسب التى قد تكون كثيرة وتعود على القاتل من جراء هذا الفعل ، ولا أدرى لماذا أعتبر رفض المقتول الإستسلام للقاتل هو نوع من الأنانية المفرطة ، أشعر بنفس إحساسى حيال الشخص الذى يرفض التبرع بأجزاء من جسده بعد موته ، حسناً إذا كانت حياتك ستنتهى بشكل أو بآخر ، اليوم أو غداً أو بعد ألفى عام ، لماذا لا تسمح لشخص ما ـ يريد قتلك بشدة ـ أن يُحقق ما يريده فتكون بذالك أرضيت بداخله الشهوة البشرية ، وتتقبل نهايتك بكل سلام وسلاسة وأريحيه ، فقط تريح جسدك وربما تهمس فى أذن قاتلك بهدوء قائلاً "استمتع" .

الأمر ليس كما يبدو عليه ، حتى كاتب هذة الكلمات لا يمكنه تنفيذ هذة الهرتلة ، وإن كنت قد عصرت على نفسك برتقالتين وتحمّلت منى الحديث عن التقويم الفلسفى والإستغناء عن التقويم الشمسى ، فلا أعتقد أن كل موالح الكوكب قد تكفى لجعل أى إنسان يتحمل أن يُقتل متمثلأً نصيحة كاتب أحمق . ولا حتى هذا الكاتب الأحمق قد يفعل ذالك ، لكن دعنا نتناقش ، على كل حال فأنت تقرأ لى الآن وهذا يعنى أن لديك الوقت الكافى الذى تريد إضاعته . إذاَ قُل لى ، ماذا لو كُنت قُتلت الشهر الماضى ، ألم يكن هذا ليثلج قلبك الآن ، ما يخيفنا فى الموت ليس ما بعده ، جميعنا مدركون فى لاوعينا الكامن حقيقة ما بعد الموت وفراغيته مهما حاولنا تغطية هذا الإدراك بالثوابت الدينية ، لكن المخيف فى الموت حقاً هو أنه مجهول ، ارجع إلى طفولتك وحاول إحصاء المرات التى رفعت فيها كفك للسماء متضرعاً أن يمنحك الله حياتين ، لتقتل نفسك فى أحدهما فتذهب إلى هذا المجهول وتستكشفه ثم تعود لتعيش حياتك الأخرى ، ثم استبد بك الطمع والخيال ، فقلت " لو كانت لى حياتين لما قتلت نفسى فى أحدهما ، لكن سأعيشهما بشكل كامل" ، لقد كنّا أطفالاً يا صديقى ، الآن أنت فيلسوف كبير ما شاء الله عليك ، ويمكنك أن تعى الأمور وتدركها بعمق ، ولا يخفى على حصافتك أن تستشف من أفكارك الطفولية أن ما بعد الموت كان مجهولاً بالنسبة لك ، وما تم تلقينه من دين وأفكار دينية لم يستطيعا تغطية هذا المجهول أو سد ثغراته ، ذالك لأنه منذ بداية التقويم الفلسفى بدأ العقل البشرى يتطور بإنتظام فى إتجاه مضاد للفكر الدينى ، حتى وصل لهذة القفزات الفلسفية التى نعيشها ، والتى أصبح فيها الفكر الدينى غير كافياً لإقناع الأطفال وسد فضولهم تجاه الرغبة فى إستكشاف العالم الآخر .

نعود إلى ما كنا عليه ، عن القتل ؛ قليلون هم الذين يمكنهم التسامح مع من قتلوا أقارب لهم ، وفى قريتى بأسيوط لا يوجد من يتسامح أصلاً ، لكن هل لو عاد المقتول نفسه ، هل كان سينادى بالثأر ؟ .. ربما لا ، لا يعنى المقتول بالقاتل ولا يكرهه ، الثأر مسألة شخصية بحتة بين القاتل وصاحب الثأر ليس لها علاقة بشخص المقتول أو مشاعره أو رأيه . وهى مسألة مغرقة فى أنانيتها أيضاً ، مغرقة فى إنسانيتها ، وهذا يجرنا إلى نقطة فرعية وهى علاقة الإنسانية بالمشاعر السلبية مثل الأنانية والحقد ، لقدتم حصر مصطلح "الإنسانية" فى بعض الجيتوهات المثالية التى تختزل البحر فى زجاجة ويسكى ، الإنسانية يا صديقى هى كل المشاعر التى يختص بها الإنسان ويستطيع التعبير عنها وتقمصها وحملها بكل مثالية ووضوح ، ولا يمكن إضفاء صفات الخير أو الشر المُطلقَين على هذة المشاعر ، ومنها "الحقد ـ الأنانية ـ الحب ـ الكراهية ـ الصداقة كأحد أشكال الحب ـ التواضع ـ الغرور" ، لكن يمكن بشكل شخصى ونسبى جداً وضع عباءة الخير أو الشر على هذة المسميات . نعود إلى الثأر من القتل فنقول أنه مسألة مغرقة فى أنانيتها وبالتالى فى إنسانيتها ، لأن الذى يفعلها يهدف إلى إرضاء دوافع شخصية بحتة لها أسسها السيكولوجية ودوافعها من الضغوط الإجتماعية المتمثلة فى الصعيد بالضغوط القبلية ، لكنها ليست أبداً مسألة متعلقة بدم المقتول أو راحته فى قبره أو غير ذالك من التعبيرات الكلاسيكية المجوفة . لذالك فإن ممارسة القتل لو تم إخراج كل الأطراف منها وتمثيلها فى قاتل ومقتول فقط ، وإستبعاد جانب الثأر المجتمعى وجانب ما يسمى عدالة القانون ، سنجد أنه شئ لذيذ جداً ، تقتلنى  فأرتاح ، وترضى أنت شهوتك الإنتقامية .

وفى الغالب تصاحب حالات إرضاء الشهوات عند الأشخاص الغير مكتملى النضج أعراض سلبية من الشعور بالذنب ، وليس من السهل أن نجد الشخص الناضج بما فيه الكفاية بحيث يقتلك ثم يجلس بجوار جثتك ليشرب كوباً من الشاى المركّز ، أو يقف تحت الدش مُكرراً أحد مقاطع أغنية "سلملى عليه" لفيروز ، ويستطيع أن يخمد فى نفسه الشعور البدائى بالذنب مقتنعاً تماماً أنه لم يوقف البشرية عن التقدم وإنما أراح أحد أفرادها وأرضى فى نفس الوقت شهوته الإنتقامية ، القتل كالجنس والماء والهواء . وأيضاً لن نجد الشخص الذى يستقبل قاتله بمصافحة متحضرة ويدعوه للإنتظار قليلاً حتى يُنهى مطالعة جرائد الصباح ويستعد لأن يصبح مقتولاً .

سوف  أناقض نفسى قليلاً ـ أعتبرنى محمد مرسى يا أخى ـ وأحاول تقديم نقد منطقى لهذا التصوّر اللامنطقى الذى عرضته فى مسألة القتل ، لو وصلنا لهذا العالم اليوتوبى من القتلى والقاتلين ، فإننا ربما نكون بذالك نوقف فعلاً مسيرة البشرية عن التقدم ، ونوافق على إرضاء شهوة القتل فى مقابل إثارة مشاعر أخرى قد تكون آثارها مدمرة للحالة النفسية لأى إنسان ، ولو انتشرت فسوف تنشر معها هذة المشاعر السلبية بشكل عام ، مثلاً سيؤدى إنتشار القتل إلى عدم الشعور بالأمان ، وهذا ما قد يؤدى إلى مرحلة لا تُطاق من العبثية ، وربما سأخسر نصف قرّائى أو أكثر لأنهم إما تعرضوا للقتل أو مشغولين عن القراءة بالتحضير لجنازات أقاربهم ، أو ربما يفكّرون فى شخص ما ليقتلوه .

عزيزى القارئ ، أنا أهرتل لا أكثر ، وهذة الهرتلات يمكنك أن تقرأها من أى جانب ؛ اعتبرها فن تجريدى يا أخى . لكن ربما نحن فى عصر الهرتلة بالفعل ، عصر القتل متعدد الأشكال ، عصر الإقصائية والتشكيك والقلق ، دعنا نحاول أن نستكشف عقولنا فربما هى الحل . الكتابة أصلاً هى محاولة لإستكشاف الذات ، ومنح فرصة للآخرين كى يطّلعوا على هذة الذات .



الخميس، 7 مارس 2013

مرجعيّة مصريّة




أسلوب ربط الإتجاه بالعقيدة بسيط جداً وقوى جداً ، الإتجاه الفكرى هو رأيك فى موضوع ما ، أو ميولك الفكرية تجاه هذا الموضوع ، مثلاً تشجيعك لفريق رياضى هو إتجاه فكرى ، ميولك الأيدلوجية سواءاً أكُنت ليبرالي أو إشتراكي أو غير ذالك ، هى إتجاهات فكرية ، وهذة الإتجاهات قابلة للتغيير بضخ معطيات عقلية جديدة فى الدماغ ، لكن العقيدة هى موقف فكرى لا يتعرض للتغيير على المدى القريب ، مثل العقيدة الدينية أو العقيدة الوطنية ، فأيّاً كان لا يمكن لأى شخص أن يتحول من دين لآخر بسهولة ، أو يتحول من الإنتماء لوطن ما إلى آخر بسهولة ، ذالك أن العقيدة غالباً صلبة وقوية ، وتتلخص فكرة تيار الإسلام السياسى فى ربط الإتجاه الفكرى الذى تُفترض به المرونة ، ربطه بالإتجاه العقائدى الذى هو صلب ، وبالتالى يترسخ فى وجدان الشخص أن إنتمائه السياسى ما هو إلا إنتماء دينى أيضاً ، وأنه يخرج فى المظاهرات فى سبيل الله ، ويضع صوته الإنتخابى فى سبيل الله ، لقد تكونت الفكرة وتداخل الإتجاه مع العقيدة وانتهى الأمر ، ولا بديل عن التوعية حتى يتم فك هذا الإزدواج والتخلص من حالة تشويه الوعى التى سقط فيها الفرد .

هذة مقدمة رأيت أن لابد منها حتى يعى القارئ تفسير الحماس الجارف من أعضاء الجماعات الإسلامية لفكرتهم ـ عقيدتهم . وأُريد أن أنتقل منها إلى شكل آخر أكثر تخصيصاً ؛ الأحزاب السياسية ذات الإتجاه النصف سياسى ـ نصف مدنى ، مثل حزب مصر القوية وحزب الوسط ، هذة الأحزاب التى لعبت على الوترين كليهما ، فحاول مؤسسوها أن يجعلوها مُقنعة وهى تظهر بالشكل المدنى ، لكنهم لم يستطيعوا إخفاء الهوية الإسلامـ ـ سياسية كثيراً ، عن حزب الوسط بشكل أكثر تحديداً أتحدّث . الأسبوع الماضى ، وبدافع من الفضول أردت أن أحضر إجتماع للتعريف بحزب الوسط فى جامعة النهضة NUB ، وقررت أن أستمع ولا أتحدث أبداً لأنى ربما أجد نفسى مندفعاً للحديث عن المغالطات التى تحدث عادةً فى تقديم مثل هذة الأحزاب ، وبالفعل نجحت فى ضبط النفس حتى لحظة معيّنة سمعت فيها المُتحدّث ـ وهو أخ مُثقّف من قيادات شباب الوَسَط ـ يتحدث عن المرجعية الإسلامية للحزب ، وكيف أنها مرجعية من "الحضارة" الإسلامية . ولا أدرى لماذا فى وطن كـ مصر التى يُقال أن لها حضارة تمتد لآلاف السنين ، لماذا نبحث عن "حضارة" أُخرى ؟ ، وليتها كانت حضارة متماسكة لها قواعد واضحة ، لكنها حضارة بدوية لا تتجاوز بضع مئات من السنين .

وهنا يَجب أن نُفرّق بين شيئين فى غاية الأهمية ، الحضارة الإسلامية والدين الإسلامى ، "الدين" الإسلامى عند مُعتنقيه نَزَل من السماء ، أى أنه بالكامل صناعة إلاهية مُقدّسة ، لكن "الحضارة" الإسلامية ـ وأى حضارة ـ هى صناعة بشرية ، لذالك فإن إسباغ القدسية على الحضارة الإسلامية هو أيضاً أحد أشكال ربط الإتجاه الفكرى بالعقيدة ، إتجاهك الفكرى نحو إحترام الحضارة لا يجب أن يختلط بإتجاهك العقائدى . هذة واحدة ؛ الثانية هى الفرق بين دخول الإسلام مصر ودخول جيش المسلمين مصر ، عندما قرر عمرو بن العاص أن يدخُل بجيش المسلمين أرض مصر ، كانت الفكرة ـ المُعلَنَة ـ هى نشر الإسلام ، لكن الإسلام كان سينتشر بالفعل حتى بدون حركة أى جيش تجاه أى دولة ، ودليل ذالك بلاد كـ إندونيسيا وماليزيا التى لم يطأ أرضها جندى مُقاتل واحد يدعوها إلى الإسلام لكنها تحولت إلى دول إسلامية ، هذا رغم البعد الجغرافى الواضح بين هذة البلدان وبين مركز الإسلام فى شبه الجزيرة العربية ، وبالقياس على مصر نرى أن مصر بموقعها الملاصق لمهد الدين كانت ستتحول إلى الإسلام بشكل أو بآخر .

ولذالك فإن دخول جيش عمرو بن العاص إلى مصر وضمّها إلى منظومة ما يُسمّى "الحضارة" الإسلامية ، ليس له علاقة بدخول الإسلام إلى قلوب المصريين وإنضمامهم إلى "الدين" الإسلامى ، لكن الشعرة الفاصلة بين الحضارة كإتجاه فكرى وجهد بشرى والدين كعقيدة وفكرة إلاهية قد قطعها تيار الإسلام السياسى وأحزابه عن طريق عملية منظمة لتشويه الوعى العام لدى الشباب المتحمّس . 

والغريب أن دخول جيش ابن العاص لمصر تصحبه دوماً هالة غريبة من التقديس ، حتى يُخيّل للمرء أنها إحدى الخطوات التى أمر بها الله من فوق سبع سماوات ، ويصحب هذا التقديس النفسى تقديس لفظى ، فيسميها المصريون "الفتح الإسلامى" ، وهذة التسمية بقدر ما هى ليست صحيحة بقدر ما هى مُهينة للمصريين وللإسلام على حد سواء ، إن كانت جيوش بن العاص هى التى أدخلت الإسلام إلى مصر فهذا يعنى أن الشعب المصرى أقل وعياً من الشعب الماليزى أو الإندونيسى أو من ملايين الهنود الذين دخلوا فى دين الله بدون جيش فاتح ، وأنهم يحتاجون من يقودهم إلى الإسلام ، وهى كذالك إهانة للإسلام أن نقول أن إسلام المصريين جاء بالجيوش والحروب ، وكأن الإسلام لم يكن ليدخل مصر بدون هذا الغزو العسكرى ، أعتقد أن لا ، مصر كانت ستتحول للإسلام عاجلاً أو آجلاً ، والغزو العربى لها كان مجرد توسيع للإمبراطورية العسكرية التى بدأها القادة العسكريون الذين أسلموا لاحقاً مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، حيث ساهموا فى تحويل وجهة الجيوش الإسلامية من تأمين حدود الدولة الناشئة إلى التوسع وغزو الأراضى ، ومصطلح الغزو هنا ليس من عندى ، وإنما هو مصطلح قديم ودارج واستخدمه الرسول فى الإشارة إلى حروبه .

نعود إلى ما كُنّا عليه ، الحديث عن "الحضارة" الإسلامية كمرجعية سياسية ، أو خط فكرى نعمل عليه من أجل النهضة ، وفى حديثى هذا لا أُكن أى قدسية لهذة الحضارة المُدّعاة ، لأنه ـ كما أشرت من قبل ـ هذة حضارة من صنع البشر وقابلة للنقد بل والنقض إن لزم الأمر ، فيجب عليك ـ كقارئ ـ أن لا تُصاب بالفزع من حقيقة تاريخ الدول الإسلامية ، لأن الإسلام ليس هو الدولة العباسية ، ولا الدولة الأموية ولا الطولونية ولا البويهية ولا الفاطمية ، كلها إمبراطوريات متعاقبة شكّلت فى مجملها المختلط ما يُسمى الحضارة الإسلامية ، وهذة الدوَل ليست مقدسة ، وبالتالى تفنيد عيوبها ليس له أى صلة بالإسلام من قريب أو بعيد ، والإبتعاد عنها كمرجع فكرى ليس له علاقة بالإبتعاد عن الإسلام كمرجع عقائدى "راجع الفقرة الأولى" .

وعندما نقول أن الدولة الإسلامية مرجع حضارى ، فإن نسبة خطأ الجملة تكون ثابتة فى العالم بأجمعه ، وتزيد فى مصر ، لأن مصر بالذات لا تجوز فيها مثل هذة الجملة ، حتى لو افترضنا ـ جدلاً ـ أنها صحيحة ـ جدلاً ـ . فإن الدولة المصرية لديها مرجع حضارى متكامل يجعل الإستعانة بأى وافد خارجى هو نوع من العبث ، عن مرجعية الحضارة الفرعونية أتحدث .

أخرج عن إطار الصورة قليلاً وانظر للأمر من الخارج ، ستجد أن وجودنا فى قلب الحركة الفكرية تشوش رؤيتنا للأمر ، لكنه واضح جداً ، نحن شعب له حضارة ضاربة فى عمق التاريخ بـآلاف السنين ، شعب ليس توسعى ولا استعمارى ، اهتم ملوك الفراعنه على مر العصور برخاء الشعب وتقدمه ، ورعاية العلوم والفنون والحكمة ، حاولوا صنع علاقات طيبة مع الشعوب العدائية المجاورة لهم ، انشغلوا بصد هجمات الهمج والرعاع والتوسعيين ، أغارت علينا الجيوش الإستعمارية وتعاقبت الدول . حتى وصلنا إلى ما نحن عليه من إنحطاط الدولة ، تراءت أمام أعيننا فكرة إعادة بناء الوطن ، فخرج بعض المتنطعين ليقولوا لنا "عليكم بمرجعية الحضارة الإسلامية" ، وكأننا شعبٌ بلا حضارة حتى نستقى حضارتنا من أبوالعباس السفاح أو عبدالملك بن مروان .

وأكثر هذة الإختلافات جوهريةً هو فكرة التوسع ، أساس فكرة الحضارة الإسلامية هو التوسع ، وأساس فكرة الحضارة المصرية هو الإستقرار وبناء الدولة ، ربما تتوارد إلى ذهن القارئ عبارة "هذا الكاتب لا يريد الحضارة الإسلامية التى حكمت الأرض شرقاً وغرباً " ، أنا مُدرك تماماً أنها حكمت الأرض شرقاً وغرباً ، ولهذا بالتحديد لا يجب أن نجعلها قدوتنا ، لأنها حضارة تبنى إزدهارها على التوسع فى الأراضى المجاورة ، وأعيد كلامى بأنه لو قلنا أن هذا التوسع هو سبب إنتشار الإسلام فإننا نُهين الإسلام ، وإنما هذة التوسعات كانت لتحقيق المجد لدولة معينة عباسية كانت أو أموية ، وهى توسعات قام بها جنود فى جيوش السلطان ولم يقم بها ملائكة منزلون ، هى توسعات بشرية .

راقب مثلاً القصة الشهيرة فى الأثر ، التى تُروى عن هارون الرشيد رمز الدولة العباسية الأولى ، ودرة الحضارة الإسلامية وهو يقول مُخاطباً السحابة "أمطرى مائك أين شئتِ فسيأتينى خراجك" ، هو يتباهى بأن أرض دولته كبيرة ومتسعة وأنه يستطيع جباية الخراج عن ماء السحاب فى أى مكان ، بينما فى مصر الفرعونية ، صدر مرسوم من الفرعون بعد طرد الهكسوس بأن نساء مصر الحرائر أصبحت لديهن الحرية الآن على كشف آذانهن "علامة على الطمأنينة" بعد أن طردنا الغزاة ، كانت مصر وطناً لا يطمح لاحتلال وطن آخر . وبالمناسبة البحتة ؛ يُقال أن الهكسوس هم قومٌ من العرب الذين احتلوا مصر قديماً وكان ملكهم يدعى الوليد بن الريان وسمى باسمه وادى الريان ، ويمكنك إستقصاء هذة المعلومة .

إذاً فالحضارة الإسلامية توسعية ، والحضارة المصرية قائمة على الإستقرار والأمن والرفاهية ، كانت عصور القوّة فى مصر الفرعونية تُقاس بالمبانى والمعابد والأهرامات ، لكن يمكنك أن تسأل أيّا من دعاة المرجعية الحضارية الإسلامية عن ما يراه من أوجه القوة والإزدهار فى الدولة الإسلامية ، سيحدثك عن جيوش تغزو وممالك تسقط وقلاع تُبنى ، ولا يخفى على أى شخص متوسط الذكاء أن يُدرك ما يلائم العصر ، التوسع والإحتلال والتعدى ، أم الحضارة القائمة على البناء والقوة والأمن ، وربما يدفع بعض الباحثين عن الثغرات بـ "أن هذا كان من الماضى لكن ما سنطبقه من الحضارة الإسلامية لن يتضمن التوسع العسكرى" ، أقول لهم : يجب أن توجهوا حديثكم هذا لفضيلة الشيخ بن باز رحمه الله ، أحد أقطاب الفكر السلفى وصاحب مدرسة ينتمى إليها فكرياً كثير من "المفكرين" الإسلاميين ، وهو نفسه الذى قال أن الجهاد ليس للدفاع فقط ، وأكد على هذة النقطة وأسهب فيها (هــنــا) ، ولو افترضنا أنكم إصلاحيين جدد وإسلامين معتدلين (!) وأصحاب مشروع إستقرار وأنكم سترجعون للحضارة الإسلامية بدون أخذ فكرة التوسع العسكرى" ضاربين بالمنطق عرض الحائط" ، فإنكم بهذا الشكل لن تجدوا شيئاً لتأخذوا منهُ شيئاً ، ببساطة ؛ كل الحضارة قامت على الجيوش وقعدت عليها ، كلما أصبح الجيش قويّاً أصبحت الدولة قوية ، وكلما ضعف الجيش انهارت الدولة ، ويخرج جيش من المنشقين أقوى من جيش الحاكم ليصبح الحاكم مخلوعاً والمنشق حاكماً ، كما حدث مع جيوش العباسيين وآخر خليفة أموى "عبدالرحمن الداخل" ، كانت دولة تقوم على الجيش وتوسعاته ولو حاولت نزع هذة الصفة لن تجد شيئاً ، ولو قلت إنجازات ، سأقول لك أين ؟ .. أين الأثر الباقى الذى نستطيع أن نقول بفخر "هذا أثر من الدولة الإسلامية" ، اللهم إلا بعض الكتب التى سلمت من السلب والحرق ، وسلم مؤلفوها من التكفير والإضطهاد والقتل بأمر الحاكم ، ويمكنك للمزيد مراجعة ما كتبته سابقاً هــنـــا .

إذاً فنحن بين خيارين ، ومرجعيتين ، واحدتهما هى أصلنا وتاريخنا الذى جربناه فكُنّا أقوى دولة فى التاريخ ، والثانية نموذج مشوّه يضج بالدماء وأصوات القتل والغزو ، الأولى جعلتنا متحضرين والثانية جعلتنا مشوهين ، ولنا حق الإختيار ، ولنا شرف النضال حتى لا يتحول وطننا إلى نسخة من دول فاشلة ، وحتى لا نتحول لشعب فاشل ، ويحكمنا مجموعة من اللاشئ ، المستندين إلى حضارات من اللاشئ ، حافظوا على مصر ذات الهويّة الفرعونية . ولا تخشوا على دينكم ، واقع الأمر يؤكد أن طريقة الحكم لا تؤثر على تدينك ولا تنزعه منك ، وواقع الأمر يحكى قصص الشيوخ الذين يعيشون حياتهم فى أوروبا ، والذين يحصلون على جنسيات الدول الكافرة ، لكن الإيمان فى القلب لا فى جواز السفر ، والدين ليس خانة فى البطاقة وليس صوتاً إنتخابياً ، الدين عقيدة لكن مرجعيتك الحضارية توجّه فكرى ، كُن مرناً ولا تتعرض للخداع ، اقرأ وابحث عن تاريخ وطنك كى تعلم من يستحق أن يكون مرجعية ، لو لم أخرج من كل كلماتى هذة إلا أن جعلت قارئاً واحداً يبحث عن الحضارة الفرعونية ويقتنع بها كمرجع حضارى نستمد منه تطورنا القادم ، لكفى .

تمثال للملك منكاو رع ـ متحف الفنون الجميلة بولاية بوسطن ـ الولايات المتحدة الأمريكية

السبت، 2 مارس 2013

الخوف القائد

يُقال ؛ أن سجيناً كان فى طريقه للهرب .. وبعد أن قفز خارج أسوار السجن وجد دراجة هوائية ، فقادها لمسافة 2 كيلومتر هرباً من الحراس ، وبعد كل هذة المسافة سقط على الأرض . وأقر بعد القبض عليه أنه لا يجيد قيادة الدراجة أصلاً ، ويُرجع علماء الفسيولوجى هذة الحالة إلى الخوف الشديد الذى شعر به الشخص مما أدى لإفراز مفرط فى هرمون الأدرينالين جعله يقوم بأشياء هو لا يستطيع القيام بها فى الواقع ، وعندما ابتعد بمسافة كافية عن الذين يطاردونه وشعر بالأمان انخفض معدل الأدرينالين وفقد القدرة الإستثنائية .

ويعتقد الطلاب الجامعيون أن قدرتهم العلمية على التحصيل الدراسى تتضاعف أكثر من مرة ليلة الإمتحان ، عن تجربة شخصية هذا صحيح إلى حد كبير . بدراسة غدد الجسد نجد أن هناك هرمونات مسئولة عن أى تصرف بشرى ، هرمونات للغضب وأخرى للسعادة وثالثة للحزن وهكذا ، دور هذة الهرمونات ليس دوراً هامشياً ، لو علمنا أن إفراز هرمون الخوف فى جسد قائد لدولة ما قد يؤدى لرغبته فى شن حرب وقائية  يُقتل فيها الآلاف . وفى الثورة المصرية مثلاً ؛ ربما كان الخوف وهرموناته لهم الدور الأكبر فى تحريك مسار الثورة ، وإن كنا لا ننكر دور الغضب الشعبى فى البداية لكنى أعتقد أن كل ما جاء بعد سقوط مبارك كان مدفوعاً بالخوف ، خوف بعض الثوّار من تغوّل الثورة وتحولها إلى شكل فاشى دفعهم لإنهاءها مبكراً ، وخوف البعض الآخر من ليونة الثورة وسهولة الإنقضاض عليها دفعهم للمغالاة فى محاولة حمايتها ، كذالك كان خوف السلفيين على دينهم الذى يعتقدون دوماً أنه فى خطر ويحتاج للحماية ، وخوف الإخوان على مصالحهم التى يعتقدون دوماً أنها فى خطر وتحتاج للحماية ، كل هذا الكم من الأدرينالين والأدرينالين المضاد تجمع فى ميدان التحرير وظهرت القدرات الإستثنائية من قتل ودهس وتشويه إعلامى ، تعاون الإخوان والسلفيين لم يكن ناجماً عن تقارب أيدلوجى وإنما هو فقط تقارب فى شعور الخوف ، أو يمكن تصنيفه على أنه إستغلال من الإخوان لكل مللى جرام من الأدرينالين تم إفرازه فى الشرايين السلفية .

والإخوان فى لعبة الأدرينالين هم الطرف الأذكى ، نذكر جميعاً الإنتخابات الرئاسية فى مرحلتها الثانية ، عندما كانت كل دعاية الإخوان تتركز فى جانب خوف الثوار من شفيق ، وأدى هذا الشعور إلى ظهور تيار عاصرى الليمون الغير راضين عن مرسى لكنهم سيختارونه بدافع الخوف ، وحتى السلفيين ، لديهم دوماً هذا التوجه الأيدلوجى المختلف الذى لا يتوافق أبداً مع الإخوان ، لكن تم إبتزازهم بـ "الخوف من العلمانيين" . إنهم دوماً يُدركون النقلة الفاصلة التى يسيطر فيها الخوف على الطرف الآخر ويستغلونها .

واليوم ، يظهر الخوف القائد مرة أخرى ليتولى مهام منصبه ، بعض المواطنين يقوموت بعمل توكيلات للجيش ليتولى السلطة ، لا يمكن أن يتواجد أى سبب منطقى لهذا التصرف إلا أنهم يشعرون بالرعب من سلطة الإخوان ، وقادهم هذا إلى تصرف لم يتوقعوا يوماً أن يُقدموا عليه ، والغريب أن بعض من وقّعوا توكيلات الجيش كانوا هم أنفسهم من هتفوا بسقوط حكم العسكر ، هل كانوا ينتظرون يوماً أن يروا أنفسهم وهم يهتفون بعودة حكم العسكر ؟ هؤلاء يجب توعيتهم ، بأن تصرفاتهم المدفوعة بالخوف لا يمكن أبداً أن تؤدى لنتائج سليمة .

الصرخة ـ إدفارد مونش ـ من ويكيميديا

الخميس، 28 فبراير 2013

ملائكة وشياطين


تقول الأسطورة أن ملكاً أراد أن يرى لوحة تمثل التناقض التام بين الخير والشر ، فأمر أعظم فنان فى عصره أن يرسم هذة اللوحة ، واشترط عليه أن تكون معبرة تماماً وله من الوقت ما شاء حتى يتمها ، احتار الرسام كثيراً ، لكنه قرر أن يرسم لوحة لشخصين أحدهما الخير والآخر الشر ، وبينما يسير رأى طفلاً جميلاً تبدو على ملامحه السكينة والهدوء ، فأتم رسم الطفل ، ثم أخذ يفتش عن إنسان لديه من السوء الأخلاقى والخِلقى ما يؤهله ليمثل الشر المطلق ، وطالت مدة بحثه إلى عشرين سنة ، ثم وجد شاباً سكيراً ممزق الملابس يكسب قوته من سرقة ما فى جيوب الآخرين ويدمن الخمر والمقامرة ، طلب منه الرسام أن يرسمه ، فبكى الشاب وقال له "من عشرين سنة طلب منى رسام أن يرسمنى ، كنت طفلاً" .

هذة القصة أسطورية بالطبع ، ولكن لنلتفت إلى فكرتها قليلاً ، إنها التحولات التى تحدث للبشر فتحولهم من الأقصى إلى الأقصى ، من بشر طبيعين لهم سلوكيات طبيعية إلى عكس ذالك ، عندما حدثت كارثة قطار أسيوط وخرج الدكتور عصام العريان ليستغل الموقف منادياً "أين البرلمان ؟" ، قال لى أحد المناضلين القدامى من جيل العريان أن شباب الجماعة مثل العريان والبلتاجى بل ومحمد بديع نفسه ومحمد مرسى ؛ كانوا طلاباً مناضلين ، من النوع الذى قد يفترش الأرض إعتصاماً لو سمع أن إدارة الجامعة قد أهانت أحد الطلاب بغض النظر عن إنتماؤه السياسى ، وأضاف متعجباً "ما الذى جعله حقيراً وإنتهازياً إلى هذا الحد ؟" .

لا أناقش هُنا قضية خاصة أو مسألة سياسية ، وإنما أريد أن نلتفت لهذة الحالة العامة من التغيرات الجذرية التى تحدث للبشر ، النظرة السطحية التى تميل إلى عدم المسئولية تُرجع هذة التغيرات عادةً إلى لفظ متميع مجهول الهوية اسمه "الزمن" ، كأن الزمن هذا هو وحش طويل الأنياب يلتهم الأخلاقيين ويحولهم إلى مجموعة من الإنتهازيين الحقراء ، والعجيب أنه حتى بتغير هذا الزمن تظل مسئولية أخلاق الأفراد ملقاة على عاتقه ؛ من مئات السنين وفى عصر الإمام الشافعى كان البشر يلقون بمسئولية أخلاقهم على الزمن فقال لهم الشافعى "نعيب زماننا والعيب فينا" ، وحتى الآن استمر الزمن هو المتهم الأول ، وبقليل من التحليل سنجد أن الزمن هنا هو لفظ إصطلاحى يقصد به قائله المجتمع ، فهو يقول أن الزمن ـ أى المجتمع ـ وليس الأفراد مسئول عن هذة النقلة الأخلاقية ، لكن المجتمع عبارة عن مكون مادى غير عاقل ومكون بشرى ، ولو افترضنا أن المكون البشرى غير مسئول عن تغير أخلاقه فإننا نقول أن الأرض والشجر والأحجار هى التى تتلاعب بأخلاقنا ، كأننا نقول "أنا لم أصبح سيئاً إلا بسبب هذة الشجرة" ، وهو ما لايُعقل بأى حال من الأحوال ، لذالك فإن نغمة "الزمن الغادر السئ الشرير" ليست إلا شماعة كبيرة .

وربما هو ليس تحول وإنما نزعة شر موجودة فى الأصل وكامنة وتنتظر فقط الفرصة المناسبة للظهور ، ويُقال أن الطلاب الجامعيين الأكثر إلتزاماً مع المُحاضرين يُتحولون إلى الإستبداد والسادية لو انقلبت الأمور وأصبح هؤلاء الطلاب مُحاضرين يوماً ما ، ويُقال أيضاً أن الأقليات المضطهدة ستمارس نفس الأفعال التى تُمارس عليها إن امتلكت القوة ، ويُقال أن الثوار الذين يخرجون للمناداة بالحرية والعدالة سيصبحون هم أول من يقمع هذة القيم عندما يمتلكون السلطة ، وهذة النظرة ليس لها دليل واقعى حاسم ، وإنما هى مجرد إفتراضات ورقية وإن كانت بعض الأحداث المُدلِلة قد وقعت بالفعل ، مثلاً الثورة العسكرية التى قامت بها حركة التحرير الإريترية وكان من مبادئها بناء دولة قوية تقوم على العدل والحرية والمساواة ، ورغم أن أعضاء هذة الحركة كانوا ـ يبدو عليهم ـ على استعداد لدفع حياتهم ثمناً لهذة المبادئ ، إلا أنه بعد الإنتصار والوصول للسلطة فى أوائل التسعينات تغيرت الإستراتيجية تماماً ، حتى أن إريتريا الآن هى الدولة الأخيرة فى تصنيف الحريات حول العالم ، ولا نقابات ولا هيئات حكومية ولا أى أثر لدولة . ومن إريتريا نعبر النيل إلى مصر ، لنجد الإسلاميين الذين ناضلوا فى معتقلات عبدالناصر والسادات ، وكان لسانهم يلهج بالحديث عن العدل والمساواة والدولة العادلة ، لكن كل هذا تغير تماماً بعد وصولهم للسلطة ولا أريد أن أسهب فى الحديث عن هذا التغير الذى لا يخفى على أحد ، هل كانوا ملائكة وتحولوا إلى شياطين أم أنهم كانوا شياطيناً من الأصل ثم ظهرت حقيقتهم فى الوقت المناسب ، سؤال موجه لعقل القارئ ، وقبل أن أترك هذة النقطة لابد أن أورد المثال الأكثر وضوحاً حول هذة الحالة ، الثورة الإسلامية الإيرانية ، قبل هذا الحدث التقى شيوعى وإسلامى فى سجون الشاه حاكم إيران ، فقال الإسلامى للشيوعى "لن يُظلم أحد فى ظل الدولة الإسلامية" ، وشاء القدر أن يكون هذا الإسلامى الذى أطلق الوعد العظيم بأن "لن يُظلم أحد" هو الإمام الخومينى نفسه ، والشيوعى الذى استمع إليه وصدقه أصبح من الدفعة الأولى التى نُفذ فيها حكم الإعدام بعد الثورة الإسلامية ، إنها مُعضلة الملائكة والشياطين .

وإن كان هذا صحيحاً ، وإن صحّت أسطورة مستر جيكل ودكتور هايد بأن داخل كل إنسان إزدواج ما من الخير والشر ، فإن الثقافة يجب أن تُنظم هذا الإزدواج وتكبح جماح الرغبات الشريرة داخل النفس البشرية ، لا تجعلوا الشيطان الكامن ـ إن إفترضنا وجوده ـ يطغى على الإنسان الأخلاقى ، وهذا أقصى ما يمكن أن تصل إليه فى إصلاح ذاتك قبل إصلاح العالم ، أما المتحولين الذين أصبحوا بالفعل مقززين ولزجين ، فرفقاً بهم حتى يجد علماء السيكولوجى السبب القاطع لهذة النقلة العقلية التى حدثت لتصرفاتهم ، وربما يؤدى البحث العلمى إلى تجنب نشأة هتلر آخر ، أو عصام العريان آخر .

إعدام الليدى جين غراي ـ بول دولاروش ـ من ويكيميديا

الاثنين، 11 فبراير 2013

عن صدام حسين الذى ليس بطلاً ـ 1


عندما كنت فى الصف السادس الإبتدائى ، وقف المدرس أمامنا فى الطابور المدرسى كأنه سيقول خبر هام ، ثم انطلق يُلقى خطبة قصيرة عن ما أسماه "استشهاد البطل صدام حسين" . وكان مما قال ؛ أن هذا الرجل أراد المجد للعرب وجعل الوحدة العربية هدف حياته ، وأن روح صلاح الدين قد تقمصته بشكل جزئى ، وأنه بطل قومى ، وأن المجد كل المجد للشهيد البطل صدام حسين ، وصدقناه واقتنعنا بطفولية وتمثلت أمامنا صورة الشهيد الذى يقف أمام حبل المشنقة شامخاً .

لكن يبدو أن مُعلمى المرحلة الإبتدائية ليسوا باحثين مدققين كما كنا نعتقد ، ويبدو أيضاً أنه استغل سلطته التعليميّة فى محاولة فرض وجهة نظر حياتية على تلاميذ فى مرحلة النشأ ، وبدا لى فيما بعد أن وجهة النظر هذة خاطئة كُليّاَ . وحتى نصل إلى هذة النقطة يجب أن نُراجع شخصية صدام حسين وأفعاله ؛ ولنبدأ من البداية ،من النشأة المضطربة فى قبيلة تشتهر بالعنف وإنتشار عادة القتل ، لأب عاش حاته مصاباً بالشلل جراء إصابة أثناء محاولته الهجوم على أحد الأشخاص ، وأم تعمل بقراءة الطالع ؛ باختصار فقد ولد فى كنف الفقر وعاش كثيراً فى ظلاله ، ونشأ بين القتل حتى أعتاد عليه ، فلم يكُن مستغرباً أن يُصرح أمام الكاميرات قائلاً "كل واحد يوقف فى وش الثورة ، سوا كانوا الف ، الفين ، تلاتلاف ، اقصص روسهم كلهم من دون ما ترجف منى شعرة" . وإن علمت أن ما يُطلق عليه صدام اسم "ثورة" هو إنقلاب عسكرى بحت قام به جنود منشقون أدى إلى إعدام الملك فيصل الثانى وأسرته وخدمه رمياً بالرصاص دون محاكمة ، ستُدرك مدى خطورة الشخصية الهجومية التى يتمتع بها صدام حسين حين يتوعد كل أعداء هذا الإنقلاب بقص الرقاب .

وحتى لا تختلط الأوراق ، وتتداخل ملفات الجرائم ويسهل خلطها بالمشاعر القومية المتأججه التى استعان بها صدام كثيراً للحصول على شرعية نفسيه لحكمه ، سأحاول أن أتحدث بتفصيلٍ ما وبتسلسل تاريخى عن الجرائم التاريخية لصدام ونظامه .

فى عام 1958 ؛ قام مجموعة من الضباط فى الجيش العراقى بإنقلاب على الملك فيصل الثانى ملك العراق وأحد ملوك السلالة الهاشمية ، وإن كنا بصدد تقدير مدى شرعية هذا الإنقلاب فإنه لا يعدو كونه أحد الإنقلابات المتتالية فى الدول العربية التى حدثت فى هذة الفترة ، وكانت تستمد شرعيتها فقط من قوة السلاح وتسمى نفسها ثورات بدون أى سند تعريفى من أى معجم ، وتؤدى إلى صعود العسكريين إلى سدة الحكم فجأةً وبدون أى مقدمات ، غير أن إنقلاب ضباط العراق الأحرار كان يتميز بأنه الأكثر دمويةً وعنفاً ، فقد قام الضباط المتمردون على الشرعية الملكية بتنفيذ إعدام ميدانى فى الملك فيصل الذى كان وقتها عمره 23 عام ، وقُتل معه خاله الأمير عبدالإله وجدته الملكة نفيسة وأميرات أُخَر من البيت الملكى ووصيفات وخدم ، تم قتلهم بوحشية ودونما إنذار بعد أن سلم الملك نفسه تفادياً للعنف ، لكن الإنقلابيون لم يراعوا سلمية الملك الشاب الذى كان يتهيأ للقاء خطيبته صبيحة اليوم الذى قُتل فيه . وبعد هذا الإنقلاب وصل الرئيس عبدالكريم بلقاسم لسدة الحكم ، وبعد عام واحد من الإنقلاب الدموى ، نشبت الفرقة بين الإنقلابيين حتى أن أحد الفرقاء دبر إغتيال الرئيس عبدالكريم بلقاسم ، وقام صدام حسين شخصياً بإخراج سلاحه الرشاش وإطلاق النار على الرئيس وقتله . إذاً فبالنسبة لصدام حسين بداية الأشياء أولها القتل ونهاية الأشياء آخرها القتل .

ساعدت قوة شخصية صدام حسين وعنفه ودمويته فى تركيز دعائم سلطته بين الضباط الذين استولوا على العراق ، حتى أنه عندما أصبح نائب الرئيس فى عهد أحمد حسن البكر عام 1968 لم يلبث أن استولى على السلطة كاملةً ولم يبقْ للرئيس منها إلا بعض الشكليات ، حتى أن البكر اضطر لتقديم استقالته من منصب الرئيس عام 1979 بحجة الظروف الصحية ، وأصبح صدام حسين رئيساً للعراق طبقاً للقواعد العرفية التى أرستها الإنقلابات العربية ؛ حيث يخلف كل رئيس نائبه . فأعلن صدام نفسه رئيساً للجمهورية العراقية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة وقائداً أعلى للقوات المسلحة .

وبدأت الحقبة الصدّامية بداية عاطفية خادعة ، شعارات مثل "القانون فوق الجميع" و " انتهى عصر الإعتقال بدون سبب" كانت تتردد كثيراً على مسامع الشعب العراقى ، وربما كان الرجل محقّاً جزئياً ، فقد تم تطويع القانون بحيث يُصبح مناسباً للقتل ، وتم تخفيض حالات الإعتقال لحساب القتل الميدانى والمذابح الجماعية . وعندما كان صدام على رأس الدولة كانت عادة القتل لديه قد تأصلت بالفعل ، حتى أنه كان قد ارتكب بعض الجرائم التمهيدية مثل الإعدامات الجماعية للشيوعيين العراقيين ، حيث أن صدام كان قبلاً رئيس جهاز المخابرات الداخلية لحزب البعث الحاكم ، ومسئولاً عن ملف مطاردة الشيوعيين وتصفيتهم ، وعندما ترنحت سلطة الرئيس البكر وأصبح صدام هو الرئيس الفعلى والبكر رئيس شكلى ؛ قام صدام عام 1978 بعمليات إعدامات جماعية للشيوعيين العراقيين ، كان عدد ضحايا إحدى دفعات هذة العمليات 573 قتيلاً أصدر عنهم الحزب الشيوعى العراقى عام 2012 كتاباً توثيقياً ، إذاً فقد كان صدام مولعاً بالمذابح الجماعية لمن يختلفون عنه فى الرؤية الأيدلوجية حتى قبل توليه السلطة بشكل رسمى .

كتاب توثيقى من الحزب الشيوعى العراقى عن ضحايا إعدامات الشيوعيين

وبعد أن تولى السلطة رسمياً ؛ ولم يكُن مر على سلطته الجديدة أسبوع واحد ، قرر أن يُصفى المعارضين له من داخل حزبه ، حزب البعث الحاكم ، وكانت هذة التصفية واضحة وصريحة وعلنية أمام شاشات التليفزيون ؛ سأقتلكم ولا أخشى أحدا . وبطريقة مذبحة القلعة قام صدام بجمع قيادات حزب البعث فى اجتماع مفتوح بإحدى القاعات العامة فى بغداد ، وتلى عليهم ورقة يُعلن فيها أنه وجد بعض الجواسيس داخل الحزب وها هى أسماءهم ، ثم تم إقتيادهم إلى خارج القاعة حيث تم إعدامهم فيما بعد ، وبهذا سيطر الطاغية على العراق عن طريق حزب واحد له جناح واحد .

لم تكن المدرسة الفكرية للرجل مختلفة أبداً عن أى من الإنقلابيين العرب ، نظرية المجد الشخصى وصناعة التاريخ كانت تسيطر على عقله بشكل تام ، حتى أنه كان يتحدث كأنه يوجه العبارات للتاريخ فقط ، فبينما كان الشعب العراقى يفقد مشاريع التنمية التى كانت مُجهزة فى عصر الملك فيصل الثانى ، كان صدام يوجه موارد النفط لصناعة الحرب والتوسعات وينفق على مجده الشخصى وصناعة الحقبة الصدّامية ، وبعد أن كان الملك فيصل يخصص 70% من موارد النفط لمجلس إعمار وطنى من أجل رفاهية الشعب العراقى أصبح صدام يوجه هذة الإيرادات لتحدى العالم بمزيد من المفاعلات النووية وإرضاء غروره ، وبعد أن كانت ميزانية الدولة مُعلنه والإقتصاد يتوجه إلى الإزدهار بخطى ثابتة ، أصبح إستنزاف النفط هو الأسلوب السائد ولا وجود لأى تخطيط منهجى .

وأنبه هنا القارئ ؛ إلى عدم تلقى جرائم القتل كأنها عادية ، فعندما نتحدث عن قتيل واحد فى النظام الصدامى فنحن بصدد أسرة فقدت أحد أفرادها ، وأم أصبحت تبكى وزوجة ترملت وأطفال نشأوا بلا أب ، فما بالك إن كان القتلى بالآلاف ، كم عائلة عراقية باتت حزينة باكية حتى يوطد صدام حسين أركان ملكه . إذا سمعت من يتحدث عن بطولة صدام حسين يجب أن لا تنسى الذين تدلوا من المشانق فى عهده ، تذكر القتلى وعائلاتهم والمعتقلين وضياعهم فى السجون .

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

الأزهر والإلحاد




منذ ما يقرب من تسعمائة عام ، كان الراهب الفيلسوف الإيطالى توما الإكوينى يعقد مناظرات مع المُلحدين ومنكرى وجود الله ، وانتشر الزخم الفكرى فى النقاش ما بين المؤمنين والملحدين ، حتى أن كبار الفيزيائيين والرياضيين كانوا أطرافاً فعالة فى هذة النقاشات ، كان هذا بعد أن أدركت الكنيسة الكاثوليكية أن تجاهل التيارات الفكرية ومحاولة قمعها هو إتجاه غير كافى لوقف المد الرافض لسلطات الدين ، فلجأت إلى صنع تيارها العقلانى الخاص بها عن طريق قساوسة متخصصين فى دراسة اللاهوت وتقريبه للعامة والإحتجاج به ، وكان على رأس هؤلاء كما ذكرنا توما الأكوينى الذى استطاع صناعة مدرسة فلسفية خاصة به تركت آثارها على الفلسفة الغربية بشكل عام .

هذة هى طبيعة الأشياء ؛ والطبيعة المثالية التى يجب أن تنتهجها أى مؤسسة دينية لها عقل ، أن تجد لك معارضين لهم عقول يُدركون بها فترد عليهم بالمنطق والعقل وتُصدر لهم كفاءاتك الفكرية ، وإن أردنا أن نطبق الأمر على حالة مماثلة فى الوطن ، فإن أعيننا تتجه صوب المؤسسة الناطقة باسم الإسلام المعتدل حول العالم ، عن الأزهر الشريف أتحّدث .

عندما أعلن مواطن مصرى بسيط أنه كفر بالله رداً على نقص العدالة فى توزيع الأرزاق "من وجهة نظره" ؛ كنت أتوقع من المؤسسة التى أعطاها كل مسلم معتدل تفويضاً للحديث باسمه أن ترد على هذا المواطن وتلاقيه الحجة بالحجة ، وما أحسب أن له حجة قوية أصلاً أو أنه قد إتجه إلى الكُفر إقتناعاً أو بعد دراسة ، وكان يكفى جداً بعض الكلام معقول الوزن من عالم دين أزهرى فاضل حتى يقتنع هذا اليائس أن الإتجاه الرافض إطلاقاً ليس هو الحل ..

لكن الأزهر الشريف تجاهل الأمر تماماً كما تعود من قبل أن يتجاهل كل المصائب التى تحيط بالإسلام ديناً ، وكما تعود أن يتجاهل الأفواج التى تخرج من دين الله ، وكما تعود أن ينغمس فى السياسة حتى النهاية ناسياً بمجلس علمائه وشيوخه الأجلاء مهمته الأساسية وهى الدفاع عن هذا الدين والرد عن المسلمين الذين أودعوهم أمانة الدعوة ، سكت الأزهر ولم يحر رداً كأن هذا الرجل قد خرج من الدين البوذى إلى الدين الهندوسى وليس لنا من الأمر شئ ، ثم نطق الشيخ على المهدى وكيل وزارة الأوقاف وليته ما نطق أبداً ، خرج ليقول أن "من يُشرك بالله فيجب عرضه على طبيب نفسى" ! ( الفتوى هــنــا )

ألا تستحى يا رجُل ؟!
ألا تدرك كم مسلم سابق فى هذا المجتمع ؟
ألا تُدرك يا شيخنا الفاضل يا من درست العِلم الشرعى فى الأزهر الشريف أن الإمام أبا حنيفة كان يناقش من يرتد عن دين الله ويلاقيه الحجة بالحجة ، وأن الإسلام دين المنطق لا دين التفسيرات المُسبقة ، إن كان ما درسته وما عَلمته من دين الله لم ينفعك فى شئ حتى أن ردك على الخروج من دين الله كان دعوة عقيمة للعلاج النفسى ، فما أسوأ علمك إن لم تنفع به دينك .

تستمر مهزلة التجاهل ؛ يخرج المسلمون من دين الله كما دخلوه أول مرة أفواجاً أفواجا ، فلا نرى مثلما فعلت الكنيسة فى العصور الوسطى ـ على ظلمها وبشاعتها ـ من الإهتمام بتقريب المُفكرين الدينيين وتنظيمهم فى مدرسة فكرية تهدف للدفاع عن الدين ، وإن كنت أعتب على أحد فلا أجد إلا الأزهر ، لكنه عتاب المُحب المخلص ؛ وعتاب المُسلم الغيور الذى أرهقه الهزال الفِكرى والجدب العقلى الذى تعيشه مؤسساتنا الدينيه ، حتى أنى لم أرى حتى الآن الأزهرى اللبق المُتحدث العالم الذى يجادل الخارجين من الدين فيعيدهم إليه ، ولنتساءل هل ترك الأزهر هذة المهمة للشيخ ديدات والشيخ عمر عبدالكافى ؟ ، وهل تكفى جهودهما وغيرهما من الجهود الفردية ؟

إن الأمر يحتاج لعمل مؤسسى لا عمل فردى ، وما كان عمل الأفراد فى هذا العصر لَينصر ديناً ما لم يصاحبه دعم مؤسساتى قوى ، لكنى أحزن إذ أرى مؤسسات متخصصة فى نشر الإلحاد مثل تلك التى أسسها العالم البريطانى من أصل كينى ريتشارد دوكينز ، ولا أرى من أزهرنا إلا دعماً لهذا المرشح السياسى أو ذاك ، وفتاوى عن النقاب والحيض والنفاس .

لنتخذ أُسامة درة كمثال ؛ هو شاب مصرى كان ينتمى لأحد التيارات السياسية الدينية التى لديها القدرة على جعلك تميل للكفر أكثر من ميلك للإيمان ، وبعد أن انفض من هذا التيار الإسلام ـ سياسى ؛ أخذ يُعمل عقله فى القضايا الدينية والأفكار الإلحادية ، وانتهى إلى أن يتخلص من الإسلام تماماً ، هذا موقف من الممكن أن يتخذه أى إنسان لديه عقل ، فالإيمان إن لم ينشأ عن يقين قوى وإقتناع صادق فهو أقرب للجهل ، وجميعاً نذكر تجربة الدكتور مصطفى محمود ولا داعى لسردها ، ترك أسامة درة الإسلام تماماً وكتب عن ذالك مقالاً يشرح فيه أسبابه ، وتصدى للرد عليه أحد العلماء الشباب الذين تلقوا علمهم الشرعى فى الأزهر الشريف ؛ وهو الشيخ أسامة الأزهرى ؛ ورد عليه أسامة درة بمقال آخر .. ؛ كان سجالاً رائعاً لمست فيه الرُقى فى كلا الطرفين ، ولمست فيه الضعف والوهن الذى ينخر فى عظم الأفكار الأزهرية ، وأدركت ما وصلنا إليه بعد عقود وعقود من تجاهل الإقناع الدينى والإتجاه إلى سياسة فرض الدين كأمر واقع ، فلم يعد بيننا توما الأكوينى الأزهرى الذى يستطيع أن يصبغ النقاشات بالصِبغة العقلانية بعيداً عن سياسات التشكيك فى الآخر وفى قواه العقلية وفى مهاراته البحثية ، كل ما فعله الشيخ أسامة الأزهرى أن شكك فى قدرات أسامة درة على البحث ، ولم يخرج بجديد ، وأعذره تمام المعذرة ؛ فمن أين يأتى الرجل بجديد إن كان قد تلقى جديده وقديمة من الأزهر الشريف الذى لم يتعامل من قبل مع قضايا منطقية ، وانشغل مشايخه بالصراعات السياسية والمذهبية.

دعونى أُنعش إحساسكم قليلاً ، وأُرهق ضمائركم قليلا ؛ وألفت أنظاركم الغافلة إلى المُعدل الغريب الذى ينفلت به الشباب المسلم من دينه ، حتى لأنى شخصياً أعرف فى نطاق جامعتى الصغيرة 7 ملحدين معرفة شخصية ، منهم ـ والله على ما أقول شهيد ـ طالب زميل يدعى الإنتماء للفكر السلفى بينما صارحنى بشكل ودى أنه لا يؤمن بالصلاة ولا الصيام ولا الرسول ولا الملائكة لكنه يتخذ السلفية غطاءاً للحياة مع أبيه السلفى ! ؛ وما ألومهم إن فكروا فلم يجدوا من يلاقى عقولهم ، لكن أسأل شيخ الأزهر ومن معه ؛ كيف ستلاقون الله وقد غفلتم عن نصرة دينه بالعقل والمنطق والتجأتم إلى الجهل وفرض الأمر الواقع وتجاهل الآخر ؟

يا سادة إن الأمر ليس هين أو قليل الشأن ، أنتم تتعاملون مع مسلمين سابقين يومياً ، تصاحبونهم فى قاعات الدرس وتقفون معهم وتلاقونهم فى الشارع وجهاً لوجه ، والأزهر ينام مادّاً قدميه مُعلناً أن من يكفر بالله فهو مريض نفسى يجب علاجه ، وكأنى أرى اليوم الذى يتحول فيه الوطن إلى أغلبية مُلحدة تلاقى أقلية متدينة ويظل الأزهر على عنجهيته بأن من يكفر بالله مريض نفسى ، إذاً فلنعالج فولتير وبرنارد شو وأرسطو هؤلاء المُلحدين الذين لا يؤمنون بالله بديلاً عن أن نناقشهم ، لو سمعكم الفيلسوف توما الأكوينى لخر مغشياً عليه من الضحك والحزن ، إنكم تُقدمون بتجاهلكم وجهلكم أقوى دافع للخروج عن دائرتكم ودائرة دينكم ، وتقدمون صورة مُسيئة لهذا الدين ، فإما إصلاح الأزهر أو البحث عن مؤسسة بديلة تلاقى المد اللادينى .

عُمر أبوالنصر
25/12/2012

الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

أقولك على سر ؟



عارف نفسى فى إيه يا عُمر ؟
نفسى يبقى عندى فلوس كتير ، مش علشان أنا طماعة ، لكن علشان أخلى أهلى يعيشوا كويس ، وأخواتى يتعلموا كويس ، وأمى تبطل تبكى ، نفسى بجد أمى تبطل تبكى ..
ونفسى أشوف أبويا بيضحك منغير نظرة وجع فى عينيه ؛ تفتكر الأحلام دى مستحيلة ؟

آه مستحيلة ..

بجد ؟

آه .. تحبى أقولك إنها ممكنة ؟

لأ متكدبش عليا ..

اسمعينى .. مشكلتك مش شخصية ، إنتى عايشة حالة الوطن ، مافيش أم مصرية مش بتبكى ، مافيش أب مصرى عينيه خالية من نظرة الوجع .. قولى يارب ..

___

ليه مقدمتش المشروع بتاعك لمسابقة أبحاث مكتبة الأسرة اللى تبع المحافظة ، فكرتك جامدة وأكيد كانت هتاخد مركز كبير أو ممكن تتأهل جمهورية ..

ومين قالك إنى مقدمتش ؟

طيب أومال ايه ؟

أبداً يا سيدى ، أخدت المركز التانى ورفضوا يأهلونى للمرحلة النهائية فى القاهرة ، ولما سألت قالولى بالنص "منقدرش نطلع الأول على أسيوط واحد نصرانى" ..

إيه ؟!

شيبسى وكاراتيه ؛ زى ما باقولك كده ، كنت فى تانية اعدادى ومقدرتش أستوعب اللى بيقولوه ، بس فاكر إنى قعدت أعيط ورحت لأبويا وحكيتله اللى حصل ؛ قاللى بس مش عايزين مشاكل أحسن يطلعونا من البلد ..

إيه ؟!

مندهش ليه ؟
أنت عارف المسيحيين بيتعاملوا ازاى فى البلد دى ولا انت من كاليفورنيا ؟

عارف يا عم بس مكنتش فاكر للدرجادى ..

يبقى أديك عرفت إنها للدرجادى ، من ساعتها وأنا ممسكتش مفك فى إيدى وكرهت الهندسة والكهربا والإختراعات وكل حاجة ، ولو شفت حد بيعمل حاجة تفيد البلد دى بابقى عايز أقوله إنفد بجلدك ، موهبتى ضاعت علشان أنا "نصرانى" .. 
فاهم ولا هتقوللى "إيه" ؟!


___


تفتكر الواحدة ممكن تجيب أطفال من واحد هى مش حاسه معاه بالأمان ؟

أنا شخصياً باحب البطاطس ..

بطل هزار يا عُمر ..

حاضر ، أنتى نفسك فى أطفال ؟

أوى أوى أوى ، بس مش عايزة !

البطيخة ..

بس بقى باتكلم جد ..

إزاى نفسك فى أطفال أوى ومش عايزة ؟

مش عايزه أطفال يكون هو أبوهم ، أنا مختارتش الشخص ده علشان يكون جوزى ، ومش هاختاره يكون أبو أطفالى ، عايزه ابنى أو بنتى يكونوا فى أسرة صح ، أسرة بتحب بعضها ، أنا مش باحبه وهو مش بيحب غير جسمى ، أنا اخترت "ضِل راجل" وهو اختار "جسم بنت" ، مش عايزة ولادى يكونوا ناتجين من زواج ضِل راجل وجسم بنت ..



___

عارف صاحبتى اللى حضرت فرحها من شهرين ؟

آه ؛ مالها ؟
ولادها دخلوا المدرسة ؟

لأ .. اتطلقت ..

إيه ؟ .. بجد ؟ .. هى لحقت !!

جوزها بيضربها وبيهينها وبيشتمها بأهلها ..
وأخو جوزها بيشتمها وبيعاملها وِحِش ..
وحماتها بتشتمها ومطينة عيشتها ..

طيب ليه أبوها مش بيتدخل ويحميها ؟

أبوها راجل طيب ومالوش فى حاجة ، غلبان .. بص من الآخر هو راجل عبيط ومش قادر يجيب حق بنته ..

طيب مالهاش أخوات ولاد ؟

أخوها أكبر منها بأربع سنين مطلعها هى غلطانة وقاللها "مش عايز أختى تبقى متطلقة" ..

فيه كده ؟!!

وأكتر .. جوزها هيرجعها ورجلها فوق رقبتها منغير أى شروط ، يعنى هترجع تتبهدل أكتر منغير ما تقدر تفتح بقها !

ياااااه !! ..

عارف إنها مش بتطيق تسمع صوته ، ولا بتطيق تنام معاه ، وليلة الفَرَح كان يوم أسود عليها علشان بيتعامل على السرير زى الحيوان ، هى أصلاً مش بتقول عليه غير الحيوان ، لكن قدامه مش بتقدر تفتح بقها ، علشان متبقاش "مُطلقة" ، وانت عارف الناس بتبص ازاى للمطلقة ، يعنى مستحملة تعيش مع واحد زى ده بتكرهه وبتكره أهله وبتنام معاه على نفس السرير بس علشان متبقاش مُطلقة ..

عُمر .. أقولك على سر ؟ .. "إحنا فى مجتمع مريض" .. بس متقولش لحد .. 




الجمعة، 26 أكتوبر 2012

الفقر فى سبيل الله



على الرغم من الآثار الجانبية للثورة و أمثلة الدمار التى تحدث فى الثورات ، إلا أن هذا  لم يمنع شعباً من الخروج لقلب نظام الحكم فيه وإستبداله بنظام آخر ، وإن كانت الثورات تقوم لأسباب عديدة مثل كبت الحريات والكبت الجنسى والقمع الدينى إلا أن هذة الأسباب لا تجذب كافةً أطياف الشعب ، ولم يحدث أبداً مهما كانت درجة الوعى فى شعب ما أن تتحرك فيه نوازع الثورة بسبب الإفتقار إلى نوع ما من الحريات ، لكن الجوع والمرض والجهل ونتائج الفقر عموماً قد يجعلون الشعب يخرج عن بكرة أبيه لإسقاط الحاكم ، لذالك فإن الفقر هو السبب الأساسى لأى ثورة وتأتى بعده أسباب أخرى ، وأكبر الأمثلة على ذالك هى الثورة الفرنسية التى لم تتحرك وتستعر إلا بدافع من الفقر وجوع الشعب وتجاهل الطبقة الحاكمة ، وإن كانت هناك أسباب أخرى مثل عدم إطلاق الحريات فإنها كانت دوافع خاصة بطبقة المثقفين وليس بعامة الشعب ، لذالك كان الفقر هو الأصل فى الثورة ومن بعده يأتى كل شئ .

أما الدول العربية  ؛ فأتوقع "ولا أتمنى" أن أنظمة الإسلام السياسى راديكالية الفكر سوف تسيطر بشكل أو بآخر على السلطة فى الدول التى غيّرتها الثورات ، وهذة الأنظمة تثبت دائماً بالتجربة أنها لا تمتلك نظام قوى لمواجهة الفقر والجهل والمرض ، بل إنها تعتبر مصدر ما من مصادر هذة الأوبئة الإجتماعية ،  والتجارب فى السودان وأفغانستان تحكى بوضوح المستقبل الغامض الذى ربما تخوض فيه مجتمعات ثائرة مثل مصر وتونس وسوريا ، وبأخذ قواعد المنطق فى الإعتبار يمكن ببساطة إستنتاج أن هذة الأنظمة ستفشل فى التخلص من الفقر وبالتالى سيخرج الشعب للثورة مرة أخرى ؛ لكن واقع الأمر أن هذا لن يحدث !

الفقر فى سبيل الله ؛ هذة هى الفكرة التى تستخدمها أنظمة الإسلام السياسى الحاكمة لتخدير شعوبها  ، ورغم أن الأديان عموماً تحتوى ضمن مبادئها على أفكار نشر الرفاهية والإرتقاء بالجنس البشرى ، إلا أن هذا لا يشغل الراديكاليين الإسلاميين  كثيراً ، فما دام الشعب يقبل بالجوع مقابل الشبع فى الآخرة ، ويقبل بالمرض مقابل الصحة فى الآخرة ، ويقبل بالفقر الغير مُبرر مقابل كنوز لا حصر لها فى الآخرة ، فلا داعى لتقديم مبررات الفشل ، فقط عليك أن تستعين ببعض الآيات القرآنية وتحرف الكلم عن موضعه وتثنى المعانى لتلائم فشلك فى تحقيق التقدم والنهضة ، وتقنع الشعب أن صبرهم على بلاءك وغباءك يضمن لهم جنات من عسل مصفى فى الجنة ، وإلتزامهم بتشريعات فقهاء الفقر يضمن لاشك أنهار من الخمر فى العالم الغيبى ، ولأن دائرة الجهل والمرض والفقر تستمد طاقتها ذاتياً فإن الحاكم ما عليه إلا أن يحافظ على مستوى الفقر ، وبالتالى يزداد الجهل وينتشر المرض ويلجأ الشعب إلى المسكنات الغيبية ويقتنع تماماً أنه لا خلاص إلا فى تقبل الحالة الإجتماعية المتدنية فى الدنيا والتطلّع للوعود المستقبلية ؛ هذه ببساطة هى وصفة الفقر فى سبيل الله التى انتهجتها حركة طالبان وعمر البشير وتسير على خطاها حركات الإخوان المسلمين فى مصر والنهضة فى تونس .

وعلى الرغم من التماسك الظاهرى الذى تبدو عليه هذة الخطة فى إستخدام الدين وتوظيفه من أجل ضمان الإستمرارية فى الحكم ، إلا أنه يمكن فك حلقاتها والتخلص من آثارها التدميرية بطريقة بسيطة جداً ، نشر الوعى الفكرى وإقناع الشعب أن محاولات تغييبه لا تحتوى من الدين إلا على الكلمات ، بينما فى الأصل هى أساليب سياسية بحتة ، ويقع عبـء هذا الدور فى الدرجة الأولى على المثقفين الثائرين إن أرادوا ألّا تعود ثوراتهم إلى الوراء بأنظمة أسوأ من سابقاتها ، ورغم ثقل المسئولية إلا أنها ليست مهمة مستحيلة ، فقط علينا أن نعمل بجهد من أجل ضمان عدم تمكُّن الأفكار البدائية والرجعية والخداعية فى عصب المجتمع أكثر مما هى متمكنة بالفعل .

عمر أبوالنصر
27/10/2012
3.24 Am

تحديث : نشر أيضاً فى  مركز الأبحاث والدراسات العلمانية بالعالم العربى هـــنـــا
مجلة الحوار المتمدن هـــنــا