‏إظهار الرسائل ذات التسميات هلس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هلس. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 11 مارس 2014

الرجل الذي شرب الفرابتشينو مع حبيبته السابقة في الخيال

My fake plants died because I didn't pretend to water them

"Mitch Hedberg"

- ماذا تشربين؟

- شربت كثيراً، لنقتحم الأمر ونخلص

- دعكِ من تلك الجمل السينمائية، فيه هنا فرابتشينو بالبندق زي الزفت، أدعوكِ إليه بكل قرف

- اتكلم كويس يا عمر، احنا مفيش بيننا دلوقتي غير كل احترام

- حاضر

- حسناً ماذا نفعل الآن، دعنا ننهي الأمر قبل أن يرانا أحد، لا ينقصني سوى أن يعرف خطيبي بوجودي مع شخص غريب بمفردنا

- لكني لست شخصاً يا ريم، أنا لم أعد شخصاً، الشخصية ذابت كالملح بالماء وأصبحت وهماً، لن يغضب خطيبك ـ العِجل ـ عندما يعلم أنك جلست مع وهم بمفردكما، لا يغار الرجال العاديون ـ والعادية سُبَّة عندما يتعلق الأمر بالرجال ـ لا يغارون من الأوهام

- لكنك لست وهماً؛ أنت أكثر تحققاً من الأرض والوطن

- ما علينا، كفاية فزلكة لحد كده

- كفاية

- طيب نبدأ؟

- نبدأ إيه؟

- اتَّكي عليه

- نعم؟؟

- أقصد أنه ليس هناك ما نبدأه، لم تنتهي الأشياء كي نعيدها إلى نقطة البداية، وليس ثمة شيء جديد كي يبدأ، قولي "نكمل"

- لا، لن أقول "نكمل"، سأقول فقط بطل انت فزلكة فاضية وانزل على الأرض شوية يا فاشل

- طيب، بطلنا فزلكة، قولي لي ماذا نفعل الآن، الحياة واقفة والكوكب توقف عن الدوران حول الشمس، وحول محوره، لم تعد الأشياء تحدث منذ ذالك اليوم الأشقر الذي رأيتك به، أعطيني حلاً قبل أن أطلع تربنتين أهلك واعبيه في شوالات، خلاص، لا أستطيع التحمل أكثر

- مش فاهماك، مش قادرة افهمك ولا افهم تصرفاتك وكلامك العجيب ده، انزل قليلأً، او اصعد، تحرك تحرك، اخرج من أطوار الجنون تلك التي تعصف بك وبمن حولك، الأرض لا زالت تدور حول الشمس يا صديقي ولم يتغير شيء، الأشياء تحدث، أنت تتعلم وتكتب وتقرأ وتتنفس، وأنا كذالك، لا تبالغ وتواضع للحقيقة وتحرر من مراهقتك

- وكيف أتحرر إذا كانت كل كلمة منكِ تقيدني أكثر بهذا العقل الواعي، وهذا الجسد الثائر. المشكلة يا ريم ليست القدرة في التحرر، لكنها القدرة على خلق الرغبة في التحرر منكِ، لو كنت أريد لفعلت، لكني لا أريد

- عمر، انت أحمق، تقرأ الشعر وتسقطه على حياتك حرفياً، ربما قرأت للمجنون بيتاً قال فيه "وقالوا لو تشاء سلوت عنها، قلت لهم فإني لا أشاءُ" فأسقطت الحالة على ذاتك وتماهيت، توقف عن التماهي يا مجنون فستفقد حياتك يوماً متماهياً في شيء ما

- تصدقي صح .. انتي اتعلمتي كل ده فين

- لوحدي

- شكراً

- بطل بقى

- ابطل ايه

- أوف؛ لقد أصبحت لا تُطاق

- بجد؟

- لأ، لكن يجب أن أقول لك أنك لا تُطاق بين الحين والآخر، انا بنت، والبنات لا يجب أن يكُنَّ راضيات، أتعلم .. لو أصبحت الفتاة راضية عن كل شيء ربما تصاب بجلطة قلبية، السخط على الأشياء جزء من طبيعتنا

- كأنك لا تريدين لهذا الحديث أن ينتهي يا ريم، كأنه مسلي ولذيذ

- نعم؛ لكنه سينتهي، وسأعود لحياتي الطبيعية، وأنت كذا ستعود، وسأقف بعد شهور أمام زوجي عارية

- انتي سادية مريضة

- لست سادية، بل أذكرك بالحقيقة حتى لا نتمادى كلينا

- إذا كنت تعلمين أن وجودنا سوياً الآن خطأ وأنك ستقفين أمام "زوجك" بعد شهور، لماذا أتيت لمقابلتي؟

- يا مجنون، أتصدق أني أتيت لمقابلتك حقاً؟، أنت لم تدعني أصلاً، وأنا لم أجيء، انت تتحدث إلى نفسك في مدونتك وتختلقني اختلاقاً لأنك تشتاق إليَّ، وتجعلني أنطق بما تعتقد أني سأنطق به، تجعلني أتحدث مثلك، وتحشرني في الفصحى وأنا لست بنت الفصحى، اخرجني من هنا يا عمر قبل أن تنشر حوارك هذا على الملأ

- طيب طيب

- لا ليس الأمر طيباً، لقد زاد عن حده بجنون، حياتك تضيع، لقد رسمتني على كل شيء حولك، حتى تلك الجميلة التي ضاجعتها منذ يومين حدثتها عني على السرير، توقف عن ذالك

- لا تخرجي عن النص يا ريم، أنت تفسدين الحوار، وأنا أريده حواراً نقياً بيني وبينك، لا تتحولي وتصبحي ذاتي ويصبح الحوار ذاتياً، أنا مالك هذة المدونة ومن حقي أن أنشر فيها ما أشاء

- انت عبيط يابني؟، أنا لا أملك الخروج عن النص أصلاً، انت من تكتب باسمي الآن، أنا نائمة على سريري في منزلي وأنت تكتب باسمي، لا تطلب مني أشياءً، هذا ضرب من الجنون. ثم ما هذا التعبير "ضرب من الجنون"، كيف تكتبه على لساني، أنا لا أقول تلك الكلمات الميتة

- بصي يا بت، أنا اكتب اللي انا عايزه باسمك أو باسم أي حد، انا حر

- وانا كمان حرة، طلعني من هنا دلوقتي

- اسمعيني، أنا فعلاً أريد أن أنهي هذا الأمر، نوبات الاكتئاب تتكرر، صوتك يتكرر، وجهك يتكرر، لكني فعلاً لا أعرف ماذا أفعل، قولي لي أنتِ ماذا أفعل، الحياة تصبح أسوأ كل يوم يا ريم، ولا أمل، لا أمل إطلاقاً

- يعني لو قولتلك تعمل ايه هتسمع الكلام؟

- لأ، لكن قولي، أريد أن أستمع إليكِ

- عبث

- وما في الأرض غير العبث؟، يعني قدرتي تستحملي كل عشوائية وعبث الحياة ومش قادرة تستحملي قليل من الهرتلة يلقي بها عشيق قديم، قديم، يائس؟

- لا تلقي اللوم عليَّ، انت تعرف جيداً أني تحملتك كثيراً

- لا أعرف عن ذالك شيئاً

- بل تعرف، مجرد التعلق بك ألقى على صدري حملاً ثقيلاً

- آه صح بمناسبة الصدر؛ هل تراجعتي عن فكرة التصغير؟

- بطَّل بقى

- أبطل ايه، باسألك تراجعتي عن فكرة التصغير ولا لأ؟

- ليس من شأنك

- بل من شأني، لا تستطيع الشمس أن تنطفيء وتتجاهلني

- يابني بطَّل بقى، لم يعد كلامك يثير فيَّ شيئاً، أنا كبرت عليك، مهما حاولت أن تجذبني بالكلام الجميل لن تستطيع، الحياة صدمتني بقوة حتى أني أدركت أنك هلس

- لماذا يدرك الجميع أني هلس بشكل مفاجيء، وهل ادَّعيتُ قبلأً أني خليفة أمبيدوكليس في الملاعب؟، لا أرى وجهاً للمفاجئة، انتي تصورتِ شيئاً وآمنت به لفترة طويلة، ثم تراجعت عن إيمانك، ما ذنبي؟

- طيب، أنا مضطرة أمشي دلوقتي يا عمر، اشرب الفرابتشينو لوحدك، عندي خيال شاعر تاني لازم اروحله دلوقتي حالاً

- مفيش أحلى من خيالي يا بت، أنا عامللك جو شاعري خالص

- انت مجنون والله، انت صدقت فعلاً انك بتكلمني؟

- لأ، لكن التمنّي العميق يقرب الخيال من الواقع، وكلما زاد التمني زاد القرب، حتى يُجن المرء ويرى هلاوس يعتقدها واقعاً من فرط التمني

- حسناً لا تفرط فيه

- طيب

- ياللا سلام يا عمر، خد بالك من نفسك

- انتظري قليلاً يا روح أمك، انتي فاكراني تامر حسني تسيبيني كده واقولك قوليله ياخد باله منك؟، انتي هنا في خيالي ومش هتطلعي غير لما ابقى انا عايزك تطلعي

- لأ، هاطلع دلوقتي حالاً، حتى في خيالك لي الأمر من قبل ومن بعد

- تفتكري؟

- آه أفتكر

- طب قولي آسفة يا عمر

- آسفة يا عمر

- قولي أنا باسحب كل كلامي وانا أصلاً مقدرش اعمل حاجة منغيرك

- أنا باسحب كل كلامي ومقدرش اعمل حاجة منغيرك

- الله، خيالي حلو أوي، أقدر أخليكي تقولي أي حاجة

- أيوة بس كله كلام فاضي، مجرد خيال، انت عارف اني في الحقيقة مش باسمع كلامك أصلاً، مش باشوفك، مش باحس بيك، مش بانفذ أوامرك، كل اللي بتعمله محاولة للهروب لا أكثر، اؤمرني تاني وهتلاقيني بانفذ .. لأنك انت اللي بتكتب الحوار وانت اللي هتخليني أنفذ، بس ده في خيالك بس

- اسكتي شوية كفاية دوشة، عايز افتكر شوية حاجات وانتي ضاغطة على مركز التذكر في دماغي بصوتك

- أراهن إنك عايز تفتكر حاجة متعلقة بيَّا

- تكسبي

- كفاية كده يا عمر، تعالى نتكلم كشخصين متحضرين، كشخص بيخاطب خياله بتحضر، كلمني بتحضر شوية، انا واثقة فيك

- كدابة .. عمرك ما كنتي واثقة فيا، ولا لحظة، انتي معاييرك مضروبة بالنار ومتعرفيش حاجة اسمها ثقة أصلاً، وياللا ارجعي اتكلمي بالفصحى

- الفصحى من جديد .. لماذا؟

- مزاجي كده

- من فضلك أعدني إلى اللهجة العامية

- لأ الفصحى أحلى، بتخليكي زي العروسة اللعبة

- أتريدني كذالك؟، من فينا السادي المريض إذاَ؟

- كلانا يا ريم، كلانا تسادى ـ أي مارس السادية ـ على الآخر، كلانا متعب الروح ومصلوب على باب الرجاء، لقد قتلنا بعضنا كمملوكين في قتال ترفيهي

- لم أقتلك، لكنها الأحداث وطبائع الأشياء وتقلبات الله وأطواره

- والأحداث السياسية وانهيار الين وهبوط مؤشر كيس 30، لماذا لا تلقين اللوم على نظام مبارك بالمرة؟

- أوف، الحديث معاك مجرد حلقات متواصلة من العبث، اضغط "نشر" وانهي هذا الحوار السخيف من فضلك

- مش عارف، حاسس اني اتكلمت كتير ومش فاكر يمكن اكون قلت أسرار مينفعش تتنشر

- أسرار مينفعش تتنشر ! .. من تعتقد في نفسك بحق الجحيم، مدونتك لا يقرأها إلا ثلاثة اشخاص، اثنان منهم أصدقاؤك

- بتحبطيني ليه؟، مش هتبطلي العادة السخيفة دي؟

- سأتوقف عن إحباطك لكن اجعلني أتحدث باللهجة العامية

- لأ، كملي الكلام بالفصحى

- لن أفعل

- بل ستفعلي

- أترى، هذا ما كنت تفعله طيلة الوقت يا عمر، كنت تضغط كي تسير الأحداث على مزاجك الشخصي، حتى وأنت تحدثني في خيالك وعلى سطور مدونتك تحشرني في رداء لا أحبه وتجعلني أتحدث بالفصحى، كنت تفعل هذا معي كل الوقت، ثم تعود لي بالنهاية معاتباً، كم أنت أنت

- إيه ده، انتي خيالي فعلاً؟، ايه يا بت انتي بقيتي بتتكلمي ازاي كده، انتي كونتي شخصية مستقلة

- ليس ذنبي، أنت أطلت الحوار لدرجة أني تكونت لي شخصية مستقلة عنك في خيالك

- لقد طال الحوار فعلاً، أصبح كخيط من الحرير ملفوف حول عنقي، يحز في جلدي ويؤلمني ولا يُرى. طالت كل الحوارات يا ريم، طالت أوردتي فسحقتها، يجب أن ينتهي كل شيء قبل أن يُنهيني

- طيب ما ذنبي في كل هذا، أنا أريد حياة بسيطة وهادئة بدونك، بدأت أتخلص من كل مسببات التوتر حولي، وكنت أنت أولها، أنت علمتني أن أتصرف ببراجماتية وأحاول الاستمتاع بالحياة، لكنك علمتني بشكل خاطيء .. جعلتني نسخة منك وأنت تعلم جيداً أن الشحنات المتشابهة تتنافر

- كنا متشابهين مذ التقينا فماذا تغير

- تغيرت الحياة من حولنا يا صديقي

- تعرفي؛ انا مش عايز حياة مثالية، ولا عايزك معايا طول العمر، تأقلمت على عدم الرغبة في ذالك، لكن عايز افهم بس، عايز أعرف، ليه كل الحاجات اللي انا عايزها مش بتحصل، ليه كل التوقعات الجيدة بتخفق، ممكن اتقبل انتهاء العلاقة بس لو فهمت هي انتهت ليه، نفسي حد يفهمني الحياة اتغيرت ازاي .. أنا باتمنى الموت مش علشان ميول انتحارية .. لكن علشان مش فاهم، مش فاهم حاجة، تصوري عندي واحد وعشرين سنة وباتمنى الموت علشان مش فاهم؟، إيه كمية البؤس دي

- حاول تفهم

- مع ريم الجلاد

- بنتكلم جد يا عمر، حاول تفهم، ركز مجهودك في إنك تفهم وخلاص، انسى كل حاجة سخيفة عن الحب والجنس والحياة وركز في إنك تفهم،اتخلص من لا اكتراثيتك لأنها موسمية ومؤلمة

- بتنصحيني ليه؟

- لأني مهتمة بيك

- هو ده، هو ده الوصف بالظبط، انتي مكنتيش بتحبيني أنتي كنتي مهتمة بيَّا، كما يهتم المرء بكتاب شيق أو مسلسل تليفزيوني، لا يحب المرء الأشياء بل تنتابه مشاعر أخرى تجاهها مثل الإعجاب والاهتمام، لكن الحب، العشق، لا يكون إلا للأشخاص، لم أكُ في حياتك شخصاً يا ريم، كنت شيئاً

- طيب بتلومني ليه؟، مش انت اللي دايماً تقول إن مش من حقنا نلوم الناس على مشاعرهم؟، بتلومني ليه دلوقتي .. أنا عندي مشاعر معينة إنشالله تكون كراهية تجاهك، ليه تلومني عليها يا عم المنطقي؟

- مش بالومك يا بنت، وما ينبغي لي، لكني باحاول أطيل الحوار قليلاً

- القاريء هيحس بالملل

- انتي عارفة رأيي في موضوع القاريء ده

- طبعاً عارفة، حتى لو مكنتش قولتلي، لكن انا انت دلوقتي أصلاً، جزء من خيالك وأكيد كل اللي انت تعرفه أنا أعرفه، لكن انت اللي خليتني اكلمك عن القاريء علشان عايز ترد عليا بكده

- بس بقى كفاية ذاتية والتفاف

- كفاية انت، افصل بين الشخصيات في الحوار كي لا تصاب بالدوشة

- مُصابٌ بها منذ جئت للدنيا

- أوف

- توقفي عن التأفف علشان ما أمدش إيدي عليكي

- حاضر

الجمعة، 5 يوليو 2013

بين الروايات


الرواية الأولى

إنها السادسة صباحاً، لم أكتب حرفاً في المدونة مُنذُ ثلاثة أسابيع تقريباً، لكني الآن أشتهي الكتابة، بداخلي مشاعر كثيرة وأفكار متداخلة، أُريد ـ بوضوح وصراحة ـ أن أتحدث عن نفسي.

حدّث رجُلاً عن نفسه سيستمع لك إلى الأبد ـــ فولتير

أمضيتُ ثلاثة ساعات مُتَّصلة في تصفح رسائل الدردشة القديمة بيني وبينها، لا أدري لماذا تتفاقم لديَّ كُل يوم عادة تصفح الشات هيستوري أكثر فأكثر، 14 ألف رسالة دردشة مع حسابها القديم، و16 ألف رسالة مع حسابها الجديد، فضلاً عن رسائل الياهو التي فُقدت، لقد كان الأمر عميقاً ما يكفي لكل شيء، لكنه لم يكفيني كي أُدرك أنَّهُ لن يستمر طويلاً.

بين الرسائل أرى عبارات قُلتها في لحظة تفاؤل، كانت في قلبي شعلة من الأمل بدأت تخبو مع الوقت، وتم تتويجها بانهزام مُروّع استمر صداه ـ صداهُ فقط ـ سبعة شهور كاملة، مع أن العلاقة نفسها لم تستمر، في توهجها، سوى خمسة أشهر، اللامنطقيون يحتلون المدينة.

أعتقد أن بعض العلاقات يجدر بها أن تستمر كذكرى جميلة، هذا أفضل بكثير من استمرارها كواقع مضطرب، لكن أن تستمر كذكرى مُضطربة فهذا يجمع أسوأ ما في الأمرين. أمس أغلقت خط الهاتف بكل عنف وقلة ذوق في وجه فتاة جميلة ليس لها ذنب إلا أني أردتها أن تتحدث مثل مريم، أردت أن أسمع في صوتها العادي نفس تردد أنفاس مريم، حاولت أن أجعلها تتحدث أسرع قليلاً وتضحك بين الكلمات وتقول لي "يا عُمَر" بتلقائية، لكنها استمرت في كلماتها المُتكسرة وهدوئها وإيروتيكيتها. إنها تتعامل مع شخص مُضطرب، عليها أن تتحمل النتائج، وكان من النتائج أن طلبت منها أن تجعل بشرتها أكثر سَماراً، كادت الفتاة تُجن، السائد في مصر أن تتجه الفتيات إلى جعل بشرتهن أكثر بياضاً، أنا لا أهتم، لم تستطعْ أن تُدرك طلبي الغريب، رَفَضَته، فامتنعت عن النظر بوجهها.

ليس من حقي أن أرفض النظر بوجهها لمجرد رغبتها في ألَّا تكون نسخة من أحد، كما أنها جميلة أصلاً ، أشعر بالذنب كلما تذكرت ذالك، أشعر أني أُحرق جمالها. لم أهتم يوماً بمستوى وسامتي، أدركتُ مُبكَّراً أن جاذبية الرجل تتوقف كثيراً على عوامل أخرى بعيدة عن الوسامة، لكني اليوم أشعر ـ ويخنقني شعوري ـ بالتمنّي لو كُنتُ وسيماً، لو كانت لديَّ تلك الجاذبية التي تجعل الأشياء تقترب لا إراديَّاً، لم يعد تكرار البيت الشهير " ولست وسيماً ولكنني أكونُ وسيماً وأنتي معي" يُرضيني، قيل لي يوماً أنني كسرٌ للقاعدة، وأني ـ رغم عاديَّتي ـ أُعدُّ جذَّاباً، لكنها كانت مجاملات في لحظة وداع من شخص أراد أن يحشد في ذاكرتي أكبر كم مُمكن من الكلام الجميل، قالت كلاماً جميلاً كثيراً كاذباً، أسعدتني بكذبها، مجرد شعور أنا شخصاً ما يُريدُ إسعادك، هذا حَدَث مُثير للسعادة.

وعلى سياق آخر، لا أدري لماذا تركتُ في وجدان مريم شعور عميق بالأمومة، تقولُ أن لدي كَم من الطفولية يُثير مشاعر الأمومة في أي فتاة، آحا إذاً، لا أُريد أن أكون طفلاً في حيث يجب أن أحتل موضعي كرجُل، لا يجب أن يُقال لي "أنت طفلي أو تلميذي أو صديقي الصغير"، أستحق على الأقل لقب "صديقي" بدون الصغير هذه، عموماً هذه العبارة لم تقلها مريم الأصلية، بل النُسخة الناضجة منها.


الرواية الثانية

هُناك بعض الأشخاص الذين يجب أن نمنحهم مشاعر الإعجاب عن بُعد فقط، لأنَّ الاقتراب منهم يكشف أشياءَ تجعلهم مُنفّرين وتجعلنا نادمين على منحهم تلك المشاعر، مثلاً تلك التي كتبت عن رغبتي فيها تدوينة سابقة، وكُنت أعتقد حتى وقت قريب أنها لا تعلم بأمر هذه  التدوينة، ثُم عرفتُ أنها تعرف عنها كُل شيء، كاشفتها وتقاربنا قليلاً، لكني وجدتُ أمامي شخصاً غريباً بحق، ألا ليتني استئنستُ بخيالي. الشخصية التي كانت في خيالي بعنفها وقوتها وصلابتها وذكاءها وتفردها وانطلاقها، وجدتها أمامي واقعاً هشَّاً مُتَثَاقفاً مُدَّعياً يرفض تطوير نفسه ويُقابل دعوات التطوير بجمود كالبدو، ألقيت لها آخر كلماتي برسالة ستقرؤها لاحقاً محتواها وداع ووعد بأني سأكتب عنها لو اشتقت إليها، لكني لم أُقاوم شهوة توجيه الرسائل الجارحة عبر المُدوَّنة، في الواقع أنا لا أشتاق إليكِ يا رماد، وهذا هو اسمك الحركي  بعد اليوم، أنا فقط أشعر بالندم لأني انصعت وراء رغبتي في استكشافك، الأمل في تغييرك معدوم، ستبقين بغضبك الغير مبرر على المُجتمع ورفضك لإعادة هيكلة هذا الغضب، سيبقى انتمائك القوي إلى طبقة المُتثاقفين الهشة، ستكرهينني بعد هذه الكلمات، ليس فقط لأني أستحق الكراهية، وليس لأني أُريدك أن تكرهيني، لكن لأنك لا تملكين إلا المشاعر السلبية توزعينها هُنا وهُناك، لا تستطيعين منح الحُب الصافي، أنا أُشكك ـ بوضوح وصراحة ـ في كُل ادعاءاتك بأنك استطعت يوماً ما ممارسة الحُب القَلبي المحض، إن كراهيتك للأشياء أكبر من أن تسمح بوجود أي حيز في قلبك لأي شعور إيجابي.

يا رماد، أتدرين لماذا أسميتك رماداً؟، ليس فقط تنكيلاً، وليس فقط تجريحاً، وإن كان التنكيل والتجريح ورسم البسمة على وجوه القُرَّاء وجعلهم يشاركونني شعور الشر المُتمكن في داخلي أثناء الكتابة وتقاسم ذنوب التشهير معهم هو جزء أصيل من أسباب إطلاق هذا الاسم عليكِ، لكن كُل هذا ليس هو السبب الرئيسي، السبب الرئيسي أني كرهتك، كرهتك جداً، لماذا؟، لأني أشعرُ بالندم، أخطأت حين أقنعت نفسي أن اشتهائي لك هو جزء من اشتهائي لها، وأن سُمرة وجهك المُزيَّفة تقترب من درجة لون وجهها، وأن المعركة الضارية بينك وبين مُجتمعك تُشابه تلك التي تعيشها هي، لكن شتان ما بين عيسى وبين عيسى المسيح، فذاك يُحيى الموتى وذاكَ يُميت الصحيح.

كما أن اسم "رماد"، وهو أول تصور لاسم قبيح ورد في ذهني، يُعد النقيض الطبيعي للرغبة، حيث أن اسم مريم هو أول تصور لاسم جميل ورد في ذهني، فهو بمعنى المرغوب بها، التي يُريدها الجميع، اسم مفعول من رامَ أي أرادَ / رامَ من يَريم ، رِمْ ، رَيْمًا ، فهو رائم ، والمفعول مَريم، اسم جميل أليس كذالك؟، لن يُلامسك ابداً، ستبقين بعيدة عنهُ كُل البعد، والله الموفق.

Either it's not bad things, Or they aren't good people.


الاثنين، 17 يونيو 2013

الشيء العادي

يُقال أن الحجاج بن يوسف الثقفي رأى يوماً في بغداد جارية فائقة الجمال اسمها "نِعم"؛ فاغتصب ملكيّتها من سيّدها الذي كان يهيم بها عشقاً وأهداها إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فحُملت إلى دمشق بعيداً عن سيدها العاشق وإلى حيث سيّدها الجديد. فما كان من العاشق المُخلص إلا أن انتقل وراءها وطرق أبواب أمير المؤمنين طالباً منه أن يسمع صوت نِعم لمرة واحدة فقط ثم لن يعود أبداً، ورغم ما اشتهر به عبد الملك بن مروان من شدة الغيرة على حريمه وجواريه إلا أنه وافق لما رأى منه الشوق يخرج قبل الكلمات، وبعد أن تحقق للعاشق ما أراد خرج من قصر الأمير وألقى نفسه من فوق جبلٍ شاهق فمات لفوره. فأمر الأمير أن تُعطى الجارية لورثته أو تُباع ويتصدقوا بثمنها على روحه، ولكن العاشقة المخلصة انتحرت بعد يومين من انتحار عاشقها، وانتهت الحكاية بموت الحبيبَين .

ماذا كان سيحدث لو لم ترُقْ الجارية لعينيّ الحجاج؟، ما كانت لتُذكر في قصص الأدب وروايات التاريخ، وما كانت لتُحكى على مر الأجيال. كم حالة عشق تستحق الخلود ألف مرة أكثر من قيس ليلى وجميل بُثينة، لكنها طويت وضاعت وربما ما اكتملت فقط لأن أصحابها لم يكونوا طليقي اللسان أو لم تساعدهم ظروف استثنائية تدفع بالقصّة دفعاً إلى سطور التاريخ. تخيّل كم عاشق طواه الليل فلا يملك أن يقول شعراً ولا يملك أن يكتب نثراً ولا يملك أن يذيب الحديد بالكلمات ولا أن يبدأ الحديث بالنظرات، قليل الحيلة مُهدر الوجود، معدوم المواهب في العشق مُضطهَد يموت فتموت حكاية عشقه، وكم كاذب مُدّعي طليق اللسان حاضر التعبيرات يكتب وينشر عن مشاعر وأحاسيس تتملكه، فيكذب حتى الامتلاء ويصدقه الجميع وتتردد كلماته وتنجح ألاعيبه وتنطلي ويذكره التاريخ شاعراً عاشقاً.

أُفكّر في العشاق العاديين، الذين لا يستطيعون أن ينظموا القصائد الطوال، الذين لا يتعاطف معهم أحد، الذين لا يملكون إلى الوصل سبيلا ولا إلى إبداء الحَزَن. أُفكّر في العاشق من قاع الهرم الطبقي لو جذبه قلبه إلى من تعلوه اجتماعيّاً أو ثقافيّاً، فيُحاول ببدائية أن يُرسل لها كلمتي حُب ما استطاع أن يكتب غيرهما، فتفضحه على الملأ الإليكتروني ناشرةً ما كتبهُ لها ضاحكة، ويضحك الجميع في هذا الأحمق المُدّعي الذي لا يستحق ما بيسار صدره أن ينبض. ولو كان كاذباً مُدعيّاً شاعراً أفّاقاً لتغيّر الوضع.

نحنُ عنصريُّون في مشاعرنا. نتحيّز ضد الأخرس الضعيف ومع المُتكلّم اللبق، اضحك وأنت تقرأني أطلب منك أن تتخيل عامل البوفيه أو سائق الأتوبيس؛ تخيّلهم عُشّاقاً، تخيلهم يذوبون عشقاً، قد يبدو الأمر مضحكاً يا صديقي العنصري، فكيف لسائق الأتوبيس أن يُحب، ويتساوى في مشاعره مع نزار قبّاني ولوركا مثلاً. واقع الأمر أنك تُقابل يومياً في طريقك الكثير من العُشّاق المُهدرين، لكنهم بسطاء، أكثر بساطةً مما يُرضيك ويُقنعك.

الجمعة، 14 يونيو 2013

أحمر شفاه

عندما أدركت أن كتاباتي مليئة بالأخطاء الإملائية؛ توقفت عن استخدام الكتابة المباشرة في المدونة، واستعضت عنها بالكتابة في برنامج Microsoft Word الذي يُصحح لي أخطائي الإملائية ويترك لي النحوية والصرفية أتكفل بهما من ذاكرتي المُتهالكة ودراستي للنحو وألفية ابن مالك والمذاهب النحوية بشكلها العقيم في كُتب الأزهر. وقبل إدراكي لواقع ضعفي الإملائي كُنت أعتقد أني طليق اليد لا أُخطئ أبداً، فأذهلتني كمية الخطوط الحمراء التي وجدتها تحت كلماتي في برنامج الـWord إشارةً على وجود خطأ إملائي، يا دين أمي !؛ من الذي علمني الإملاء؟ وكيف فعل!، كيف تخرجت أصلاً من المرحلة الثانوية بهذا الفشل الرهيب في معظم القواعد الإملائية، همزة القطع تتداخل في استخداماتها عندي مع ألف الوصل، والياءات لا تعرف طريقها من طريق الألف المقصورة.

يُقال أن أحلام مستغانمي ـ الكاذبة الجزائرية ـ لا تستطيع إلقاء خطاب قصير خالي من الأخطاء اللُغوية، ويُقال أيضاً أنها لا تكتب كل هذه الترهات التي تُباع غالياً؛ لا تكتبها، بل تعهد بالأمر إلى أحد الشعراء الذين أخطأتهم الشهرة. وبالتأكيد كل هذا الذي يُقال ليس صحيح، لكني أُرددهُ من باب تحمل مسئوليتي الوطنية في نشر الشائعات عن الأشخاص الذين لا أُحبهم، ولا أُحب مستغانمي، قرأت لها ذاكرة الجسد فأعجبتني، فحاولت أن أقرأ عابر سرير فوجدتها تجتر ذاكرة الجسد، ثم حاولت أن أقرأ نسيان دوت كوم فوجدتها تكتب من أجل اللاشيء، وتعتمد فقط على القُرَّاء المُخلصين، ثم حاولت أن أقرأ الأسود يليق بك فأدركت أن هذه المرأة العجوز مُفلسة تماماً، حتى أني كدت اُخرج من جيبي جنيهاً لأضعه على إحدى صفحات كتابها. إنها تُكرر وتُكرر كالببغاء وترقص وتخلع ملابسها على صفحات الكتاب كي تحافظ على مُراهقيها/قُرّائها، تضع القراء في المرتبة الأولى، تماماً كالكُتّاب الفاشلين. لا تُقنعني مثلاً أن نجيب محفوظ كان يُفكّر بقرائه وهو يُبدع الثلاثية، أو فيكتور هوجو كان يشغل نفسه بالقارئ الفرنسي وهو يخلق البؤساء، الفاشلون فقط يشغلهم القارئ، لأنهم ـ في اللاوعي ـ يُدركون تُجاريَّتهم وشعبويتهم الزائفة.

أنصحك بمتابعة قائمة أكثر الكُتب مبيعاً في مكتبة ألف أو الشروق، ستجد منها المقبول والضعيف، والأمر ليس نسبي، هُناك كُتب لا يمكن تقبل وصفها بالجودة أبداً ولا حتى على سبيل التجاوز، لا يمكنك مثلاً أن تصف "كيف تصطادين عريساً" بأنه كتاب جيد. عموماً تابع قائمة الأكثر مبيعاً، تابعها جيداً، ثم لا تشترْ أيّاً منها،  الكتاب الذي يُعجب الجمهور يجب أن يكون سيئاً للغاية، لأن الجمهور سيء للغاية، ولست أتحدّث هنا عن جمهور العرب فقط ولكن عن كل الجمهور في كل العالم، أي شيء يحتفل به الشعب يثبت دوماً أنهُ خطأ وربما كارثة، كُتب أحمد خالد توفيق، معسكرات هتلر، أشعار فاروق جويدة، كلها كوارث أحبها الجمهور.

تحضرني الآن فكرة شاردة عن رواية البؤساء، هل تُدرك أن ترجمة اسمها بهذا الشكل هو خطأ صَرفي شنيع توافق عليه المُترجمون!. لأن كلمة البؤساء ليست جمعاً لـ "بائس"، وإنما هي جمع تكسير لـ"بئيس" أي قوي وشديد، لكن جمع بائس هو "بائسون أو بائسين" كجمع مُذكّر سالم. إذاً فترجمة الرواية من""Les Misérables  بالفرنسية يجب أن تكون "البائسون" بالعربية ولا يصح أن تكون "البؤساء". ويأتي الرد سريعاً بأن الخطأ الشائع أفضل من الصحيح المجهول، لا أدري من هو اللغوي العبقري الذي أطلق هذه القاعدة، حيث يُفضّل المترجم استخدام لفظة شائعة لكنها خطأ لُغوياً وينأى عن استخدام أُخرى من غرائب مفردات اللغة لكنها صحيحة؛ مُستدلّاً بقاعدة عجيبة بأن الخطأ الشائع أفضل من الصحيح المجهول، وبهذا تمتلئ المترجمات بالأخطاء اللُغوية لمترجمين فاشلين. حاول فقط أن تقرأ كتاب الأمير لميكيافيليي في طبعة دار الشروق؛ ترجمة حمقاء أشبه بترجمة قناة Top movies حيثُ Fuck تعني تبّاً، تبّاً.

لماذا أكتُب هذه الأشياء؟ لماذا أُحرّك يدي على لوحة المفاتيح بدون تفكير لأُخرج ما في عقلي على الصفحات البيضاء؟ إن كنت وصلت بقراءتك إلى هذه الفقرة فأنت تستحق أن أبوح لك بسري؛ أنا مُشتت، ومشتاق، ومشتعل، ولا أدري ما أفعل، يجب أن أُحرك يديَّ حتى لا تُداعبا بعضهما وحتى أتوقف عن طقطقة أصابعي بلا هوية. تطوف بي ذكريات ليتها ما حدثت يوماً عن شعرٍ طويل وأحمر شفاه، أجمل شفاه.

في القانون المصري لا يجوز أن يدفع المُتهم بجهل القانون، لا يمكنك أن تقف أمام القاضي قائلاً أنك لم تكُن تعلم نصوص القانون فارتكبت جريمتك ببراءة، لأنه لو وافق القاضي على هذا الدفع فهو يُعطي أفضلية للجهلة بقانون الوطن ويمنح الجهل صك براءة فيتمني العالِم بالقانون لو كان جاهلاً، لذا أغلق المُشرّع هذا الباب من أبواب التلاعب، حكيمٌ هو المُشرّع المصري، ليته شرّع لي بعض القواعد أُدير بها هذا النابض العشوائي بوسط صدري يميل قليلاً إلى اليسار؛ قلبي. الذي يقول لي عندما أتهمه بالعبثية أنهُ جاهلٌ بالقواعد، يقولُ لي أنهُ يسقط بلا وعي، اُشفق عليه فأستجيب لدفاعاته الواهية وأمنحهُ أعذاراً وأُخرجه بريئاً، وإن كان مشرعنا العبقري قد ضاعف عقوبة بعض الجرائم في حال العَود؛ أي تكرار الجريمة، فإني ـ على العكس ـ أزيد من دفقة الشفقة عليه، يبدو أني أتعامل معه بالقانون الكوستاريكي أو البَنَمي.

سئمت من وضع الرسائل في مدوّنتي إلى الذين أجبُن عن مواجهتهم، أعلم أنها تصل، لكني سئمت وربّي جداً. أُريد حياة طبيعية هادئة بدون رسائل متبادلة بالشفرة، بدون خوف من المستقبل وارتياع من الماضي والتياع من الحاضر. أُريد حياة بلا تدوين ولا علاقات محكوم عليها بالفشل، أُريدُ دستةً من الأصدقاء الهلاميين البوهيميين الحشّاشين الذين لا يقرءون الشعر ولا يكتبونه. أُريد أصدقاء من نفس عُمري، أصدقاء في العشرين من عمرهم، أُريدُ أن تتحول مريم إلى فتاة في العشرين من عُمرها، لا أكثر.

من مريم هذه؟
اسم جميل استخدمته كرمز للكمال، لا أعرف في حياتي بنتاً اسمها مريم، كتبت عنها عندما كُنتُ أكتبُ شعراً لكنّي اليوم أخجل من كل قصائدي بسبب سذاجتها، لا أُطيق الاستماع لأي كلمة قُلتها وقُلتُ عنها شِعراً. مريم تتغير بتغير الفصول، تُمطرني ثلجاً أحياناً وتُحرقني أحياناً أُخرى، هي هادئة وعصبية وصادقة وكاذبة وضعيفة وقويّة، مريم إنسانة عاديّة تحمل بين أضلعها كل مقومات البشريّة، كل عُقَد البشريّة، مريم متوهّجة ومُثيرة، اطمئني يا صديقتي الجديدة لن تكوني مريَمي أبداً.

لقد سئمت حقاً من هذه الأشياء، لماذا لا يكون الحُب في بلدي طبيعياً، لماذا كل الأشياء مُعقّدة وصعبة، ربما لأني أتعلق بأشياء أكبر مني، وربما لأني أصغر من كل الأشياء. تلسعني كلمة "صغير" في دماغي فتؤلمني، أحزان كثيرة جرّبتها فقط لأني صغير، لو كُنت كبيراً، فقط عامين أو ثلاثة.

أُسائلُ دائماً نفسي : 
لماذا لا يكون الحب في الدنيا ؟
لكل الناس .. كل الناس
مثل أشعة الفجرِ
لماذا لا يكون الحب مثل الخبز والخمرِ ؟
ومثل الماء في النهرِ
ومثل الغيم والأمطار
والأعشاب والزهرِ
أليس الحب للإنسان
عمرأً داخل العمرِ ؟
لماذا لا يكون الحب في بلدي ؟
طبيعياً
كأية زهرة بيضاء
طالعة من الصخرِ
طبيعياً
كلقيا الثغر بالثغرِ
ومنساباً كما شعري على ظهري
لماذا لا يحب الناس .. في لين وفي يسرِ ؟

نزار قباني ـ اليوميّات

الاثنين، 10 يونيو 2013

夏天

أشعر* الآن بالحزن ، كما لو أني أرى أفروديتي إلهة الجمال تُباعُ كالجواري ، أو جسد ملكة فرعونية عظيمة يُعرضُ في مزادٍ علني . أشعر بالحزن ، وكل الأشياء حولي تُحرضني على الاستمرار في شعوري . هانت الدنيا فليس أسهل عليَّ الآن من الخروج على قواعد الأرض . 

الجميلات لم يُخلقن عبثاً ، ولم يحصلن على هذا الكم من الجمال بفعل عشوائية الطبيعة ، لا يجب اضطهادهن في مدينة القبح هذه ، إلى متى سيستمر الوطن في  تشويه روح كل جميلة وقتل طموحها وإجبارها على التبعية . وإلى متى تستمر الجميلة نفسها في القبول بهذا الوضع ، لا أُحرضكِ على الثورة ؛ وأعرف أني لو فعلت فإني أدفعك لقتل نفسك ، ولو كنت مكانك لما استجبت لدعوات الانقلاب على الحاكم التي تستمعين إليها ليلاً نهاراً . لا تنقلبي ولا تثوري ، احزني في رُقيّ ، ابكْ ، مزقي الوسادة ، وتعالي إليَّ بعد عامين وقد فقد وجهك نضارته وتهدّل ثديك وانطفأت عيناكِ وقولي "قتلوني" .

وما بيدي شيء ، ولا بعقلي ، ولا بقلبي شيء ، أنا مثلك يا مريم ؛ ضعيفٌ قليل الحيلة ، استلب التتر أسلحتي ووزعوها فيما بينهم ، فذاك يأكل عقلي وذاك جسدي ، وثالثٌ يركض وراء رابعٍ يُمسك بكفه أطراف روحي . الحزن يقُصّني كالأظافر الطويلة، فسامحيني .

وعدتكِ يوماً أن أبقى بجوارك مهما تقلّبَت الأيام ، وبمجرد الاهتزاز ؛ رحلت . أنا لست رجلاً يا صغيرتي ، لست رجلك ، لست فارسك ولا فارس أحد ، لن أمتطي يوماً جواداً ابيض لأُنقذ أميرة سمراء ، إني رجلٌ مُنهكٌ كاذبٌ مُدَّعي يكتفي بالبكاء الهيستيري في أحلك المواقف . لا أفكر بعقلانية ، ولا أبكي بعقلانية ، ولا أُمارس الرجولة . مُدركٌ تماماً لما وراء كلماتك عن هذا الغير مناسب الذي ارتقى القمر . مُدركٌ تماماً لوضعك يا مريم ، أعلم أنك مُضطرة ، ولم تُدركي بعد أنه لا أحد يجيب المضطر . الجميع متآمرون عليكِ ، السماء والأرض والبحار والصحاري ، الكُلُّ يتآمر على شفتيك كي تتحجرا .

لا تشعري بالذنب ولا تضعي نفسك موضعاً أقل مما جعلتك فيه . ولا تشعري أنّكِ خدعتني وزيّفت نفسكِ أمامي ، كذباتك الصغيرة أعرفها وتعرفني وبيننا صداقة ، أعرفُ كل خطاياكِ ، وأكبرها أنّكِ تصطنعين الخطايا ، تكذبين كثيراً محاولةً إبداء شفتيك كأنهما لغانية إغريقية . وهما ليستا كذالك ، أعرفُ جيداً أنهما كالألماس الخام الذي لم تلمسهُ أصابع فنان يُقدّرُ فنَّه . لا تدّعي أنكِ فعلتِ وفُعلَ بكِ ، نهداكِ ما زالا بغلافهما لم يُمسّا .

وأعرف أني لست عندك شيئاً ، ولا يعنيني هذا بشيء . لا أفكرُ في الضغط عليكِ كي أحتل جزءاً من يسار الصدر ، لن أزيد همَّكِ همَّا . ولو أملك الذي يطلقه الساحر على القلب فيتحرر لما ترددت به أن أحرر قلبك الصغير . يا مَريم التي قُتلت بها مشاعر الحب الطبيعية ، يا مَريم التي لا تُجيد الحُب أصلاً ، ولا تعرف كيف يكون ، يا بدائية التكوين ، هدّئي رَوعَ روحك .

لست أكتب عاشقاً أو مُدَّعياَ أو معاتباً ، انتهى وقت كل شيء . قولي مثلاً أنّي أكتبُ باكياً ، أكتب كالطفل الشارد لا يعي ما يقول ولا يفهمه أحد ، لا تلتفتي لي ولو قليلاً . إنّي لا أُدرك كيف يكون العالم الحقيقي ، تأتيني منهُ الصدمة تتبعها الصدمة فلا أُدرك الواقع إلا وهو يعتصرني .

يا مَريَمي ؛ يا أكمل البنات ، تذكّري جيدا أن الأشياء ليست كما تبدو عليه ، والسلام . 

*صيف

الجمعة، 24 مايو 2013

أَهلهَا عَرَبُ


مُتناثرات مُتأثّرة بهلوسات الإختبارات النهائية
Final exams hallucinations

1
الأمير داروين ـ Prince Darwin

عندما خرج داروين على العالم بنظريته للانتخاب الطبيعي ؛ تعرضت الأوساط العلمية لما يشابه الفوران ، آراء كثيرة هنا وهناك تدعم وترفض وتنكر وتؤكد وتؤيد النظرية الوليدة ، وبعد عدة عقود أصبح النشوء والارتقاء احد ركائز التفسيرات العلمية المؤكدة للطبيعة ، اعترف العالم المتحضر بصحة النظرية وأصبحت هناك متاحف متطورة تحمل اسم "متحف نظرية التطور" في كثير من عواصم العالم ، لكن بقعة الزيت التي تبدأ من الخليج العربي وتنشر نتانتها وقرفها إلى المحيط الأطلنطي ؛ بقعة الزيت العربية الكبيرة هذه ما زالت تُعاني من مشاكل في قبول ما استطاع العالم قبوله ، ليس للأمر علاقة بالدين كما تتصور ، فقد استطاع الغرب التغلب على سلطة الكنيسة ـ وهى أسطورية ـ حتى اضطر أساقفتها ذوي العقول الحجرية إلى الاعتراف بصحة التطور ، لكن بالنسبة للعرب الأمر مختلف ، حتى لو ادعوا أنهم يدافعون عن الدين ؛ واقع الأمر أنهم يدافعون عن ذاتهم المتخلفة من التكامل مع أي فكرة محترمة ، لو وجد العربي نفسه أمام فكرة محترمة ومُعترف بها عالمياً يجب أن يشوهها ، يمحوها ، يرفع عليها السيف كما اعتاد أجداده وقادته ومُقدَّسيه ، يُناصب العربي الأفكار العداء بحكم طبيعته ، يستجيب للإنسان البدوي الكامن بداخله الذي يصيح قائلاً "ها هي فكرة ؛ اقتلها".

في شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين ؛ بدأت اللغة العربية تظهر وتتطور ، البيئة جافة وقاحلة وغير مناسبة لحياة ثدييات عاقلة أصلاً ، لكنه قدرهم . لا يجدون أمامهم أو ورائهم إلا الصحاري والقفار والهضاب والرمال ، لا مجال للغة ثرية وناضجة ، يُضطرون إلي إطلاق أسماء كثيرة جداً على نفس المُسمّى من باب قتل الفراغ الُلغوي ، للأسد عشرات الأسماء مثلاً . تظهر اللغة العربية القديمة بشكلها الغير ناضج وحروفها المتشابهة الغير منقطة ولا مُشكَّلة والتي لا يجيد كتابتها إلا قلة من المتعلمين النادرين الذين يصدف أحياناً عدم وجود أي منهم في بعض القبائل .

ثم بدأت الفتوحات ، وصلوا ببدويتهم إلى جنان اسبانيا وروائع مصر ، بدأ البدو يتنسمون النعيم ، أصبح الذي لم يرْ الماء البارد إلا في أحلامه الجميلة مواطناً من الدرجة الأولى في دوَل ساقها قدرها العاتي إلى الحكم البدوي يستلب خيراتها ويضطهد مواطنيها الأصليين ، لم تعد اللغة الصلبة تناسب العرب الجدد ، كيف يقف العربي على تلة خضراء ليُغني بما كان يُغني على تلة صفراء ، ليس مناسباً للبرستيج الجديد أن يهزج بتفاهات غير مفهومة ثقيلة النطق مثل "لخولة أطلال ببرقة ثهمد" ، تحولوا إلى الرقة وبدأت اللغة العربية الحديثة تظهر تدريجياً ، قارن لي بين "وسيفي كان في الهيجا طبيباً يُداوي رأس من يشكو الصُداعا" وهو بيت لعنترة بن شداد العبسي بألفاظه الثقيلة التي يتردد فيها إيقاع السيوف ، والبيت التالي للبهاء زهير وهو شاعر مصري يقول "حبيبي كيف حتى غبت عني .. أتعلم أن لي أحداً سواكا ؟ " الأبيات الأولى عربية والثانية عربية ، الأولى قيلت في صحاري جزيرة العرب الجلفة تحت ظلال السيوف ، وقيلت الثانية في أرض مصر تحت ظلال الكروم ، وهو التطور .

15/5/2013 ـ 9.45 ص


2
عن الحريم كثيراً ـ All about hareem

المرأة هي البوصلة ؛ بوصلة الحريات والمدنية والتحرر إلى آخره . مستوى حريات المرأة في الدولة أو المجتمع هو ما يُحدد مستوى الحريات بشكل عام داخلها ، بل ويُحدد أيضاً المستوى الاقتصادي والثقافي والأخلاقي ، وهذا يخضع لمنحنى جيبي ؛ فعندما تتغطى المرأة كُليّاً بالخيمة الباكستانية فهذا يعني مجتمع أصولي متخلف راديكالي مُتأخر اقتصادياً بسبب تعطيل نصف المجتمع ، لكنهم سيدخلون الجنة على كل حال . وفي المقابل عندما تتعرى المرأة لدرجة الانحلال وانعدام الفرص أمامها باستثناء الدعارة فهذا يعني مجتمع لاأخلاقي مثل بعض دول أوروبا الشرقية ، وهي مُجتمعات لا تعترف بالمساواة في الفرص والواجبات والحقوق إلا على السرير ، وهؤلاء لا يدخلون الجنة . لكن عندما يعتدل النصاب بالمساواة العادلة الشاملة فهذا يعني أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان ، وهم أيضاً لن يدخلوا الجنة إلا لو استطاعوا رشوة الفاتيكان والقرضاوي ؛ أحدهما أو كلاهما .

20/5/2013 ـ 2.13 ص


3
جواري مول ـ Jauary mall

لنتحدث عن الجواري ؛ أتمنى أن يعود عصر الجواري والحريم ليضرب العالم ، حيث يختفي كل دعاة المساواة والـ "فيمينيستس" ويذهبوا في رحلة إلى الجحيم بلا عودة ، ومن ثمَّ يمكننا إنشاء سوق للجواري في مكان مقر منظمة فيمين بأوكرانيا حيث نبيع ونشتري الأوكرانيات اللاتي يُقال عنهن مُزَز ، وهُن ـ إحقاقاً للحق ـ مُزَز بالفعل .

الفقرة السابقة ، يمكن تسميتها الصوت العربي الحُر ، أو الصوت العربي الصادق ، أو سأمنحك إياها وأسمْها ما شئت في إطار هذا المعنى ، لم أكذب ولم أتجمل ، لكنها صوت الحقيقة العربية الذي يتردد بداخلنا فنكتمه كي لا يُقال "هَمَج" . ألم تُردْ يوماً هايبراً مزدحماً بالجواري ، تشتري بأموالك الكثيرة ما تشاء من الحريم ؛ الجواري ماركت ، أو الجواري مول مثلاً ، وتكون له فروع في كُل المدن الكبيرة .. ترى مثلاً "جواري مول مدينة نصر" ؛ "جواري مول المعادي" ، وقنبلة السلسلة .. "جواري مول دُبَي" ، صدقوني هذه طبيعتنا مهما أخفيناها تحت الساعات السويسرية ، ستبقى العقالات عربية .

ثم ماذا سيتغير لو تم عرضهن في مولات كما في الماضي ، هي جارية بالفعل سواءً عُرضت في جِلسة عائلية أو جِلسة بين تجار متحمسين ، بل إن التجار سيقدرونها بأفضل مما ستفعل عائلتها وعائلة الشاري التقليدي في الصالون . في الماضي كنت أشعر بالاشمئناط عند سماع كلمة "حريم" وأتهم قائلها بمعاداة كل ما يمكن معاداته من قيم إنسانية ، لكني أراه اليوم وصفاً جميلاً مُناسباً تماماً للحدث . حريم حريم ، جواري جواري ، في مدرجات الجامعات أو في البيوت المغلقة ، في كل مكان جواري وحريم مهما ادّعين غير ذالك .

21/5/2013ـ 4.23 ص

4
كاش يو ـ Cash me

في بيت أحد أقاربي صغيراً ، طرحنا ـ كأطفال ـ سؤالاً تقليدياً ؛ ما فائدة المال ؟ تصدت إحدى الكبيرات للرد بحماسة : "ليست لهُ فائدة" . ثُمَّ تبارينا في اضطهاد هذه الأوراق الملونة التي تحكم العالم ، ألا ليت الزمان يعود يوماً فأبلغه اعتذاراتي عن سفاهات الطفولة ، فكرت كثيراً أن أعتذر بالفعل ، لكن لمن ؟ هل يمكن ـ مثلاً ـ أن أقف أمام مبنى البنك المركزي وأطلق صرخة اعتذار لكل أموال العالم لأني أخطأت في حقها يوماً ، أو أُقبّل عُملة فئة 200 جنية ( بعد تعقيمها من تلامسات الأيدي الكثيرة ) فتصفح عنّي وتنسال وقريباتها بين يديَّ كي ابدأ استثماراتي الشخصية التي أحلم بها ، والتي ـ للصدفة البحتة ـ تحتاج إلى رأسمال مبدأي كبير نسبياً لا أملكه . لماذا يحلم الناس دوماً بأشياء لا يملكونها ، لو كان فرويد حياً لأرجع الأمر حتماً إلى الجنس وتبعاته ، لكنّي أرى أنه فقط السعي نحو الكمال المفقود ، وُلد الإنسان ساعياً إلى تصور مُبرمج سلفاً في عقله يُدعى "الإنسان الكامل" ، كل حركاتنا اليومية وسكناتنا واضطراباتنا هي خطوات في السعي الدءوب نحو هذا الإنسان الكامل الذي لن نصله يوماً ، مستحضرات التجميل تكسب الأموال الكثيرة من إثارة هذه الغريزة في الإنسان ؛ بيوت الأزياء ، ملاعب الرياضة ، مدرجات الجامعات ، كلها تقول لكَ أقبل فإن الكمال هُنا ، وكذالك أحلامك وطموحاتك هي مجرد تصوراتك الشخصية للاقتراب من الكمال . ويتساوى في ذالك الراهب الناسك ورجل الأعمال الناجح والسياسي الكبير ، كلهم يرى الكمال من منظوره ويسعي إليه ولو آخر يومٍ في حياته .

22/5/2013 ـ 8.23 ص

5
خيال علمي علوم

لم يضغط عليَّ أحد كي أختار الصيدلة كمجال دراسة ، ولا أدعي أني أكرهها ، ولا أشتهي وصلها ، هي بالنسبة لي كدراسة البيولوجيا الجزيئية أو الكيمياء التقطيرية أو علم تحليل انتحار حيوان فيل البحر ، مجرد شيء أدرسه وليست لي به أي علاقة عاطفية من أي اتجاه .

لكن ؛ الهندسة المعمارية ، ( امسسسم ) ، يا سلام ، كنت لأكون مُبدعاً ، كُنت لأكون خلّاقاً ، كُنت لأكون رائعاً ، كنت لأُنهي الدراسة الجامعية بتفوق وأدور أدور على شركات الهندسة أبحث عن وظيفة محترمة فلا أجد ، هذا ما أرى . الحمد لله على نعمة الصيدلة يا عَم ، رغم أني ـ ولا تخبروا النقابة ـ أعتقد أن مهنة الصيدلة بشكلها الموجود في مصر حالياً هي من مخلفات الفساد العام لا أكثر ، وستنتهي حالة الأنتخة التي يعيشها الصيادلة بمجرد ضبط القطاع الصحي بشكل كامل ووقف العشوائية التي تُدار بها المهنة ، حيث يُمكن لأي خريج صيدلة فاشل أن يحصل على دخل جيد بمجرد جلوسه في المنزل مراقباً تكاثر الذباب ، فقط بالتوقيع على ورقة تُفيد إدارته لإحدى الصيدليات التي ربما لا يعرف مكانها أصلاً ، ما هذا العَتَه الذي يضرب أصول المهنة ؛ عِيِب كده .

23/5/2013 ـ 7.15 ص

6
Library Sluts

ما الذي قد يجعل علاقة عاطفية جيدة تتدهور لدرجة رفض أحد الطرفين للآخر بشكل قطعي وحاسم ولا رجعة فيه ؟ أشياء كثيرة قد توصل لهذه المرحلة ، لكن ليس من بينها قطعاً عدم تذكر أحد الطرفين لعيد ميلاد الآخر ، كُسُّم التفاهة ، عيد الميلاد أصلاً بدعة من بلاد الغرب وليس من ديننا في شيء ، وإن شر الأمور محدثاتها . حاولت أن أقنعها ـ الحمقاء ـ بما قال الله وقال الرسول في هذا الشأن لكنها لم تقتنع ، من لا يتنازل عن الأشياء الصغيرة هو شخص تافه ، وهذا بصراحة يجذبني جداً في أي بنت ، أُريدها تافهة ومجوفة ، ولا تقرأ لي ، ولا تقرأ لأي شخص ، ولا تُحب القراءة .

المثقفات ـ عادةً ـ يكُنَّ إما جواري خلف الستار أو داعرات خلف الستار ، ربما هناك نوع ثالث ، لست أدري ، لكني لم أرَهْ . 

24/5/2013 ـ 2.25 م

O.Abolnasr and the great Nile river


الأحد، 5 مايو 2013

الأغاني


إن حاولت انك تغير 
صورتك الحلوة فـ عينيا 
مش هتقدر

وإن حاولت إنك بغدرك 
تقتل الشوق اللى بيّا 
مش هتقدر

هذة روبي ، استمع لها وهى تُمارس أفضل ما يمكن أن يفعله مطرب عربي ( هـــنــا ) ، لا أعتقد أن الهجمة الضارية على هذة المطربة الجميلة لها دافع سوى الحقد على جمالها وتناسق جسدها وصوتها ، إنهم يكرهون كل جميل ويمنعونه من الغناء فى دول أصولية تدعى الحضارة ويمنعها التليفزيون المصري من الظهور حتى تتسع الشاشة للعاهات . ظلموكِ أيتها المثقفة الجميلة ، وظلمتِ نفسك عندما خضعتِ لشركات التسويق التى تستنزف الجميلات ، ليس لدى مشكلة أن تظهر روبي متألقة جميلة مثيرة فى أغانيها ، لا أكره جمالها ولا أحقد عليه ولا أغار منه ، تُثيرنى بكل ما تعنيه الكلمة ، وانا من النوع الذى يرى فى الإثارة أقصى درجات الجمال .

***

لأ مش انا اللى ابكى
 ولا انا اللى اشكى .. إن جار عليا هواك 
ومش انا اللى اجرى .. واقول عشان خاطرى 
وانا ليا حق معاك

بينما كان الوسط الغنائى يضج بأغانى الإستسلام المازوشي ؛ كسر محمد عبدالوهاب هذة القاعدة بأغنية ثورية يُهاجم فيها سلطة الطرف الآخر وينتقدها فى كلمات واضحة ( هـــنـــا ) . عبدالوهاب كان أسطورة حقيقية لا يمحوها الزمن أبداً ، وبرغم كونه احد قواعد الوسط الفنى فى هذة الفترة ويبدو كراديكالى محافظ على القواعد ، إلا أنهُ كان يحمل قلباً ثورياً ، حتى الذين كان يصاحبهم فى صولات التلحين وجولاته عرفنا مؤخرنا أنه اختزن ضدهم ملحوظات فنية كثيرة تنتقد رجعيتهم وضعفهم ، حصل المطرب على لقب اللواء بعد تلحينه النشيد الوطنى لدولتنا .

***

مبتعلمش 
بغيره القلب مبيحلمش
ينام الليل وسهرانه فـ هواه 
مبنامش

استرخي ، أغلق عينيك ، استمع لأنغام ( هــنــا ) ؛ عندما تفجرت فى روحى أغنية "مبتعلمش" كنت أتحرك باتجاه عامى الخامس عشر ، بعدها أصبح من المستحيل إقناعى أن هذا الصوت حرام ، حتى فى أعتى لحظات الإرتداد للأصولية التى عشتها فى فترات المراهقة كنت أسرق اللحظات كى اسمعها تغنى ( مجبش سيرتى ) .



***

نور جمالك في الظلام .. بدر في يوم التمام
حسن قدك والقوام .. كل ارواحنا فداه
نور جمالك آيه .. آيه من الله 
آمنت بالله

يجب أن تستمع لهذة الأغنية التى ليس لي معها أي ذكريات بصوت فؤاد حجازي ( هــنـــا ) ، لم أستمع لها فى حياتى إلا مرة واحدة ، لكنها اقتحمت خيالي مرة واحدة كما يقتحم ضابط أمن الدولة خصوصيات المواطنين . الكلمات رقيقه ، التعبيرات تتأرجح بين العامية والفصحى ، صوت فؤاد حجازي يسافر بين اللهجات العربية كأنه يُغنى بها جميعاً .

فؤاد حجازي ، جاهدة وهبة ؛ المخلصون الذين وهبوا حياتهم لفكرة الطَرَب المُجرّد من أى طموح فى شعبية زائفة ، المقتنعون بضحالة الشهرة ، الغير واقعيين الذين سيموت الجميع وتستمر أصواتهم فى رحلة الخلود .

الجمعة، 22 مارس 2013

هرتلات عن القتل وأشياء أخرى


أعتقد أن كل من ولدوا فى القرن العشرين وما بعده هم الأكثر حظاً فى تاريخ البشرية ، وبنظرة أكثر دقة يمكننا القول أنهم سيعيشون أعماراً مضاعفة ، ويمكنهم أن يكتسبوا خبرات عشرة أجيال على الأقل من تلك التى سبقت هذا القرن ، ذالك لأن معدل تسابق التطور الفكرى والتقنى والأدبى للجنس البشرى قد تضاعف بهذة النسبة أو أكثر فى القرنين العشرين والواحد والعشرين ، فإذا كنت من مواليد عام 1993 مثلى فإن وصولك لعام 2013 لا يعنى فقط عشرين عاماً من البشرية ، لكن يعنى أكثر من مائة وخمسين ألف عام ، لأن هذة الأعوام العشرين قد حدثت بها من التغيرات ما يفوق كل الذى حدث على الكوكب منذ ظهور حواء الميتوكوندريا ، أو ظهور الأصل المشترك الذى انبثقت عنه كل السلالة البشرية .

وحواء الميتوكوندريا هى المرأة التى استطاعت توريث جيناتها إلى كل البشر الحاليين ، ولا يعنى هذا أنها "حواء الدين" التى رافقت آدم فى قصة الخلق الشهيرة ، فقد كان لها أقران لكنهم لم يستطيعوا توريث جيناتهم لأسباب ما ، ويقدر العلماء العصر التى عاشت فيه هذة الجدة من 150 إلى 200 ألف عام مضت ( فيديو لتوضيح فكرة حواء الميتوكوندريا اضغط هــنــا ) ، ومنذ هذة الفترة لم يحدث أن تطورت البشرية بنفس الكم والكيف الذى حدث فى العشرين عاماً الماضية فقط ، ويمكنك تخيل أجيال بأكملها مرّت على الكوكب دون أى اكتشاف جديد أو معرفة علمية مُضافة ، لكن لا يمكنك أن تتخيل فى العصر الحالى يوماً يمُر دون معرفة علمية مضافة أو إكتشاف جديد . كل هذا حدث بسبب الفلسفة .

وإن كان الكثيرون يُرجعون التطور الحادث فى القرنين العشرين والواحد والعشرين إلى كوكبة من العلماء على رأسهم أينشتين ونيوتن مثلاً ، لكن واقع الأمر أن هذة الطفرة البشرية لم تقم إلا على أكتاف بوذا وكونفوشيوس وأفلاطون وأبيقور ونيتشه والمسيح ، ذالك لأن هؤلاء الفلاسفة كانوا هم حجر الزاوية والإنطلاقة الفارقة ما بين عصرين ، عصر ما قبل الفلسفة ، وعصر ما بعدها .
ولتوضيح هذة النقطة يجب أن نتناول الزمن ؛ وعلاقته بتسارع الأحداث ، وعلاقة الأحداث بوجود الفلاسفة ، بدايةُ لا يُمكن الجزم بعدم وجود فلاسفة فى عصور ما قبل تدوين الحضارة ، وفى نفس الوقت لا يمكن إفتراض وجود حضارة بدون فكر ناضج ، هذا يضعنا أمام معضلة تستدعى وضع إفتراضات ، فإما أن العقل البشرى تطوّر بسرعة خلال بضعة آلاف من الأعوام فقط ليصبح مؤهلاً لإستيعاب الفلسفة وقبلها لم تكن موجودة ولم تكن هناك حضارة ، وإما أن الفلسفة كانت موجودة ، والحضارات كانت موجودة . لكن كارثة ما أو ضياع ما أدى إلى إندثار هذة الحضارات فلم تصل إلينا معرفة كافية بما كان ، أو ربما تصادم الفكر الفلسفى البنّاء الثائر بفكر دينى ما راكد ورجعى استطاع كبح جماحه ، ، مما أدى إلى استمرارية عصور ما قبل التاريخ لفترات طويلة جداً ، وبمجرد أن استطاع الفكر الفلسفى العبور من مأزق الرجعية ، بدأ التاريخ .

وأنا شخصيّاً أميل إلى هذا التفسير ، ذالك لأن الفلاسفة كانوا دوماً فى صدام دائم مع الدين وأتباعه . لذالك سأفترض أن عصور ما قبل التاريخ هى عصور ما قبل الفلسفة ، والعصور التاريخية هى عصور فلسفية . وإمعاناً فى الخيال ، ولأن هذة مدوّنتى أكتب فيها ما أريد متحديّاً أى منطق ، سأطرح فكرة التقويم الفلسفى كبديل للتقويمات الشمسية والقمرية فى حساب الزمن ، وفكرته بسيطة جداً ، يمكننا إعتبار الفترة الزمنية التى تستحدث فيها البشرية عشرة أفكار فلسفية هامة عاماً فلسفياً ، وهذا العام يُقسّم إلى أسماء أشخاص مؤثرينكشهور ، فنقول مثلاً أن أول عام فلسفى يبدأ بشهر إيمحوتب ، وهكذا ، وربما نلجأ إلى المؤرخين لضبط معايير هذا التقويم وترتيب أجزائه . لكن ماذا عن عصورما قبل التاريخ ؟  .. كل هذة العصور كانت خاوية من أى تقدم بشرى ، وطبقاً للتفسير الذى تميل إليه نفسى ؛ كانت السيطرة الدينية واضحة على العقل البشرى ، لذالك سنسمى هذة العصور جميعاً الشهر الأسود ، لأنها ورغم إمتدادها على حيز كبير من الأعوام الشمسية ، إلا أنها لا تتعدى فى عمرها الفلسفى شهر واحد ، ذالك أن الشهر فى التقويم الفلسفى هو مدة حدوث حدث ما ؛ هذا الحدث كان عدم وجود فلاسفة ، لذالك فقد كان شهراً أسوداً .

وهذا التقويم ليس له أى علاقة بالتقويم الشمسى ، فمثلاً قد تمر عشرة أعوام شمسية نعتبرها شهراً واحداً فلسفيّاً ، لأن هذة الأعوام لم تشهد سوى حدث واحد ، وفى العصر الحالى يمكن إعتبار كل يوم هو شهر فلسفى بل وربما عام كامل ، لذالك فإننا لسنا فقط فى عصر التسارع التقنى والأدبى ، بل إننا ـ فلسفيّاً ـ فى عصر التسارع الزمنى ، وعليه فإن حياتك لمدة عشرين عام يمكن إعتبارها مائة ألف عام ، أو مائتى ألف عام حسب إلمامك الفكرى بما يدور حولك .

لا عليك ؛ لا تستمع لهذة الهرتلات عن التسارع الزمنى وعصور الفلسفة ، يمكنك أن تنسى كل ما سبق فقد كان مقدمةٌ غير مهمة لشئ ما أود الحديث عنه ، وهو القتل . منذ قليل كنت أشاهد مسرحية "الهمجى" للفنان المصرى محمد صبحى ، واستوقفتنى أحد المشاهد واستفزت أصابعى للكتابة ، عندما قال الراوى فى المسرحية "ارتكب الإنسان أبشع جرائمه ؛ القتل" . هل يستحق القتل هذة الوصمة التى نلصقه بها دائماً ، هل هو فعلأً أبشع الجرائم البشريّة على الإطلاق ، أم أن هناك وجهة نظر أخرى يمكننا أن نتناول هذا الفعل من ناحيتها ، يبدو واضحاً لك أنى أريد مناقشة هذة الوجهة الأخرى وإلا ما كنت أرهقت نفسى بالكتابة أصلاً .

أعتقد أن التعريف الأمثل للقتل ليس هو مجرد إزهاق حياة كائن آخر ، ربما هو "إستدعاء الموت" ؛ أو تحقيق النهاية الطبيعية للإنسان ، وهو يختلف عن الموت الطبيعى فى أنه يكون متوقعا ومعدا له من قبل إنسان آخر ، إذا فهذة الحالة فضلاً عن أنها إرضاء لنداء الطبيعة بإعادة جسد الإنسان إلى الأرض ، فإنها أيضاً إرضاء لنداء الشهوة البشرية ، فضلاَ عن المكاسب التى قد تكون كثيرة وتعود على القاتل من جراء هذا الفعل ، ولا أدرى لماذا أعتبر رفض المقتول الإستسلام للقاتل هو نوع من الأنانية المفرطة ، أشعر بنفس إحساسى حيال الشخص الذى يرفض التبرع بأجزاء من جسده بعد موته ، حسناً إذا كانت حياتك ستنتهى بشكل أو بآخر ، اليوم أو غداً أو بعد ألفى عام ، لماذا لا تسمح لشخص ما ـ يريد قتلك بشدة ـ أن يُحقق ما يريده فتكون بذالك أرضيت بداخله الشهوة البشرية ، وتتقبل نهايتك بكل سلام وسلاسة وأريحيه ، فقط تريح جسدك وربما تهمس فى أذن قاتلك بهدوء قائلاً "استمتع" .

الأمر ليس كما يبدو عليه ، حتى كاتب هذة الكلمات لا يمكنه تنفيذ هذة الهرتلة ، وإن كنت قد عصرت على نفسك برتقالتين وتحمّلت منى الحديث عن التقويم الفلسفى والإستغناء عن التقويم الشمسى ، فلا أعتقد أن كل موالح الكوكب قد تكفى لجعل أى إنسان يتحمل أن يُقتل متمثلأً نصيحة كاتب أحمق . ولا حتى هذا الكاتب الأحمق قد يفعل ذالك ، لكن دعنا نتناقش ، على كل حال فأنت تقرأ لى الآن وهذا يعنى أن لديك الوقت الكافى الذى تريد إضاعته . إذاَ قُل لى ، ماذا لو كُنت قُتلت الشهر الماضى ، ألم يكن هذا ليثلج قلبك الآن ، ما يخيفنا فى الموت ليس ما بعده ، جميعنا مدركون فى لاوعينا الكامن حقيقة ما بعد الموت وفراغيته مهما حاولنا تغطية هذا الإدراك بالثوابت الدينية ، لكن المخيف فى الموت حقاً هو أنه مجهول ، ارجع إلى طفولتك وحاول إحصاء المرات التى رفعت فيها كفك للسماء متضرعاً أن يمنحك الله حياتين ، لتقتل نفسك فى أحدهما فتذهب إلى هذا المجهول وتستكشفه ثم تعود لتعيش حياتك الأخرى ، ثم استبد بك الطمع والخيال ، فقلت " لو كانت لى حياتين لما قتلت نفسى فى أحدهما ، لكن سأعيشهما بشكل كامل" ، لقد كنّا أطفالاً يا صديقى ، الآن أنت فيلسوف كبير ما شاء الله عليك ، ويمكنك أن تعى الأمور وتدركها بعمق ، ولا يخفى على حصافتك أن تستشف من أفكارك الطفولية أن ما بعد الموت كان مجهولاً بالنسبة لك ، وما تم تلقينه من دين وأفكار دينية لم يستطيعا تغطية هذا المجهول أو سد ثغراته ، ذالك لأنه منذ بداية التقويم الفلسفى بدأ العقل البشرى يتطور بإنتظام فى إتجاه مضاد للفكر الدينى ، حتى وصل لهذة القفزات الفلسفية التى نعيشها ، والتى أصبح فيها الفكر الدينى غير كافياً لإقناع الأطفال وسد فضولهم تجاه الرغبة فى إستكشاف العالم الآخر .

نعود إلى ما كنا عليه ، عن القتل ؛ قليلون هم الذين يمكنهم التسامح مع من قتلوا أقارب لهم ، وفى قريتى بأسيوط لا يوجد من يتسامح أصلاً ، لكن هل لو عاد المقتول نفسه ، هل كان سينادى بالثأر ؟ .. ربما لا ، لا يعنى المقتول بالقاتل ولا يكرهه ، الثأر مسألة شخصية بحتة بين القاتل وصاحب الثأر ليس لها علاقة بشخص المقتول أو مشاعره أو رأيه . وهى مسألة مغرقة فى أنانيتها أيضاً ، مغرقة فى إنسانيتها ، وهذا يجرنا إلى نقطة فرعية وهى علاقة الإنسانية بالمشاعر السلبية مثل الأنانية والحقد ، لقدتم حصر مصطلح "الإنسانية" فى بعض الجيتوهات المثالية التى تختزل البحر فى زجاجة ويسكى ، الإنسانية يا صديقى هى كل المشاعر التى يختص بها الإنسان ويستطيع التعبير عنها وتقمصها وحملها بكل مثالية ووضوح ، ولا يمكن إضفاء صفات الخير أو الشر المُطلقَين على هذة المشاعر ، ومنها "الحقد ـ الأنانية ـ الحب ـ الكراهية ـ الصداقة كأحد أشكال الحب ـ التواضع ـ الغرور" ، لكن يمكن بشكل شخصى ونسبى جداً وضع عباءة الخير أو الشر على هذة المسميات . نعود إلى الثأر من القتل فنقول أنه مسألة مغرقة فى أنانيتها وبالتالى فى إنسانيتها ، لأن الذى يفعلها يهدف إلى إرضاء دوافع شخصية بحتة لها أسسها السيكولوجية ودوافعها من الضغوط الإجتماعية المتمثلة فى الصعيد بالضغوط القبلية ، لكنها ليست أبداً مسألة متعلقة بدم المقتول أو راحته فى قبره أو غير ذالك من التعبيرات الكلاسيكية المجوفة . لذالك فإن ممارسة القتل لو تم إخراج كل الأطراف منها وتمثيلها فى قاتل ومقتول فقط ، وإستبعاد جانب الثأر المجتمعى وجانب ما يسمى عدالة القانون ، سنجد أنه شئ لذيذ جداً ، تقتلنى  فأرتاح ، وترضى أنت شهوتك الإنتقامية .

وفى الغالب تصاحب حالات إرضاء الشهوات عند الأشخاص الغير مكتملى النضج أعراض سلبية من الشعور بالذنب ، وليس من السهل أن نجد الشخص الناضج بما فيه الكفاية بحيث يقتلك ثم يجلس بجوار جثتك ليشرب كوباً من الشاى المركّز ، أو يقف تحت الدش مُكرراً أحد مقاطع أغنية "سلملى عليه" لفيروز ، ويستطيع أن يخمد فى نفسه الشعور البدائى بالذنب مقتنعاً تماماً أنه لم يوقف البشرية عن التقدم وإنما أراح أحد أفرادها وأرضى فى نفس الوقت شهوته الإنتقامية ، القتل كالجنس والماء والهواء . وأيضاً لن نجد الشخص الذى يستقبل قاتله بمصافحة متحضرة ويدعوه للإنتظار قليلاً حتى يُنهى مطالعة جرائد الصباح ويستعد لأن يصبح مقتولاً .

سوف  أناقض نفسى قليلاً ـ أعتبرنى محمد مرسى يا أخى ـ وأحاول تقديم نقد منطقى لهذا التصوّر اللامنطقى الذى عرضته فى مسألة القتل ، لو وصلنا لهذا العالم اليوتوبى من القتلى والقاتلين ، فإننا ربما نكون بذالك نوقف فعلاً مسيرة البشرية عن التقدم ، ونوافق على إرضاء شهوة القتل فى مقابل إثارة مشاعر أخرى قد تكون آثارها مدمرة للحالة النفسية لأى إنسان ، ولو انتشرت فسوف تنشر معها هذة المشاعر السلبية بشكل عام ، مثلاً سيؤدى إنتشار القتل إلى عدم الشعور بالأمان ، وهذا ما قد يؤدى إلى مرحلة لا تُطاق من العبثية ، وربما سأخسر نصف قرّائى أو أكثر لأنهم إما تعرضوا للقتل أو مشغولين عن القراءة بالتحضير لجنازات أقاربهم ، أو ربما يفكّرون فى شخص ما ليقتلوه .

عزيزى القارئ ، أنا أهرتل لا أكثر ، وهذة الهرتلات يمكنك أن تقرأها من أى جانب ؛ اعتبرها فن تجريدى يا أخى . لكن ربما نحن فى عصر الهرتلة بالفعل ، عصر القتل متعدد الأشكال ، عصر الإقصائية والتشكيك والقلق ، دعنا نحاول أن نستكشف عقولنا فربما هى الحل . الكتابة أصلاً هى محاولة لإستكشاف الذات ، ومنح فرصة للآخرين كى يطّلعوا على هذة الذات .



الاثنين، 11 مارس 2013

مائتى ألف عام من العزلة

مُقدّمة : قال أرسطو ؛ أن الأجسام المادية عندما تسقط من أعلى إلى أسفل ، فإن سرعتها تتوقف على كتلة الجسم ، أى أن طناً من الحديد سيصل إلى الأرض أسرع من كيلو واحد من نفس المادة ، ووافقه على ذالك كثير من الفلاسفة والعلماء . لكن العلم الحديث أثبت خطأ هذة النظرية تماماً ، وفى الواقع ؛ كثير من آراء الفلاسفة كانت مجرد تجاوزات علمية ، لكن هذا لا يعنى بأى حال أن نُلقى باللوم عليهم ونتهمهم بالخطأ ، لأن الفلسفة أصلاً ليس فيها ما يُسمى خطأ فى الرأى ، رأيك هو رأيك وسيظل كذالك ولا يمكن أبداً وصفه بالخطأ المطلق ، لأن الحياة عبارة عن حالة كبيرة من حالات تطبيق مبدأ عدم التأكد ، لا يمكن الوصول ليقين ما فى أى مسألة خاضعة للبحث العلمى ، وكل الأشياء يمكن إخضاعها للبحث العلمى ومنهجيته . وبناءاً عليه فإن ما يلى من سطور لا يمكن وصفه بالخطأ المطلق ولا بالصواب ، لا أريدك أن تشعر باليقين وأنت تقرأ ، ولا تشعر بالشك ، لا تشعر أصلاً ، فقط فكّر وحاول أن تستمتع ما استطعت ، لا أنصحك بالتطبيق العملى لما ستقرأه .
__

لماذا نحن ضعفاء إلى هذة الدرجة ، غير متماسكين ونحتاج دوماً إلى أطراف أخرى ، مقتنعين تماماً أننا كائنات إجتماعية ، الإنسان .. كائن إجتماعى ؛ الإنسان .. كائن إجتماعى . أصلاً ، الإنسان ليس كائن إجتماعى ، بل هو كائن منعزل لأقصى درجة ، لديه القدرة على منح روحه كل المشاعر التى يحتاجها ، ومنح جسده الطاقة الكافية للحياة لفترة طويلة  بدون الإصابة بأى مرض ، لكن الوجود فى جماعات يقتله ، يثير فى جسده الملوثات فيموت بالتسمم البطئ قبل عمره الإفتراضى ، ويخلق فى روحه المشاعر المستثارة ، الحزن القاتل والسعادة القاتلة ، فتبدأ مشاعره فى التكون ، مغموم / سعيد / حزين / مضطرب ، كل هذا بسبب الجماعة الإجتماعية ، لكن التواجد منعزلاً يلائم طبيعة الروح ، فيستطيع عندها الفرد أن يمنح نفسه الشعور الذى يريده ، الشعور الوحيد الذى يريح الإنسان ولا يقتله أبداً ، الشعور الذى لا يمكن أن يكون متطرفاً أو مثيراً أو قاتلاً ، شعور الإطمئنان . لن نطمئن أبداً وسط الآخرين ، ما دمنا نحتاج لَهُم ونرافقهم ؛ لن نصل للإطمئنان الكامل ، ولن تتمكن أرواحنا من صب هذا السائل المنعش من الهدوء على  الجسد ، ما دام هناك شخصٌ ما يسمع ويرى ما تفعله روحك ، لا يوجد إنسان طبيعى يتصرف بتلقائية متناهية فى وجود الآخرين ، بينما فى العزلة التامة ، يطمئن الجسد ويطمئن العقل وتهدأ الروح ، فنبدأ فى ممارسة شعائر إنسانيتنا ، ربما نتصرف بمعزل عن كل حضارة ، ربما بهمجية أو بدون ذوق ، الذوق أصلاً هو أحد الإختراعات الفاشلة للجماعات الإجتماعية تماماً مثل علامات الترقيم وإشارات المرور ، كلها إختراعات فاشلة . راقب نفسك بمفردك فى مكان خالى تماماً من أى إنسان آخر ، ستجدك الحقيقى ، الإنسان الصحيح الذى لا يحتاج إلى أى شئ ، تستطيع أن تمنح نفسك السعادة إن أردتها ، وتستطيع بمزيد من الحكمة أن تمنح نفسك الطمأنينة وأنت تسترد إنسانيتك شيئاً فشيئاً .

أما الذين يبحثون عن الآخر ويفتقدونه ، الباحثين عن الحب / الصداقة / الأمومة وغيرها ، هم أشخاص لم يدركوا بعد إنسانيتهم بشكل كامل ، فرضت عليهم إجتماعية البشر الحاليين أن يصبحوا هم أيضاً كذالك ، لكن التواجد فى جماعات تحتاج بعضها بعضاً ليس هو الأصل ، بل هى صفة تطوريّة ، اكتسبها الإنسان على مر مئات الآلاف من السنين ، يحتاجون فقط إلى بعض التوعية وستظهر إنسانيتهم المنعزلة على الفور . أنت لا تحتاج للآخر حتى تشعر بالدعم والمسانده ، لأن الآخر هو الذى جعلك تشعر بالضعف من البداية ، لو لم تكن وسط هذا الكم من البشر لما شعرت بالضعف فى بعض الأوقات ، ثم تشعر بأنك تحتاج إلى من يساند ضعفك فتلجأ إلى صديق ، تهرب من المجتمع إلى أحد أفراده ، لقد استعبدتك الجماعة الإجتماعية وأقنعتك بهذة العبودية . أنت ـ فى عزلتك ـ لست بحاجة إلى طرف الآخر كى تشعر حتى بالإشباع الجنسى ، وفى داخلك جزء ما مُدرك تماماً لهذة الحقيقة ، لهذا تمارس العادة السريّة ، لكن المكوّن الإجتماعى حولك يضغط مرة أخرى ويحاول إقناعك أنها حالة شاذة ، لكن الحقيقة أن جسدك مؤهل بالفعل لإشباع نفسه جنسيّاً بدون وجود شريك آخر ، بدون وجود الآخر .

عندما خلق الله آدم ، تذكّروا القصة جيداً ؛ خَلَقَ معهُ حواء كى تؤنس وحدته ! .. هذا ليس صحيح إطلاقاً ، لا يمكن أن يخلق الله نصف المجتمع كى يملأ وقت الفراغ للنصف الآخر ، ما هذا العبث ، كما أنى لم أجد أى مصدر مؤكّد لهذا التفسير الغريب "كى تؤنس وحدته" ، هل أدرك الله بعد أن خلق آدم أنه قد خلق كائناً إجتماعيّاً ، فأراد أن يعوّض هذا الإدراك المتأخر بخلق كائن آخر ، الرواية ليست منطقية إطلاقاً وإنما خلق حواء له أسباب أخرى لا أدّعى العلم بها ، لكن التاريخ يكره الثغرات ، والبشر يريدون أى تفسير يرضى نظريتهم العجيبة "الإنسان كائن إجتماعى" ، وفى الحقيقة خُلق آدم وحيداً ، وخُلقت حواء وحيدة ، حتى مع تواجدهما سويّا كانا يعيشان الوحدة ، على أرض مساحتها ملايين الكيلومترات ، رجل وزوجته ، إن لم تكن هذة هى العزلة المطلقة فماذا تكون إذاً ؟ ـ ثم بدأت التكتلات ، بدأ الإجتماع على مر العصور ، تكونت القرى والمدن ، أهمل الإنسان سلبيات الإجتماع فأصبح معتاداً عليه ، تماماً كما اعتاد على السير منتصباً .. انتشرت السرقة والقتل ، والغش والخداع ، ظهر أسوأ ما فى البشر ، الحقارة والنذالة ، الصفات المتنحية التى تحتاج فقط لعوامل الإجتماع حتى تظهر ، ثم خرج بعض الحكماء الذين أدركوا إنسانيتهم فانعزلوا عن الآخرين ، لاحظ أن كل الذين غيروا مجرى التاريخ فعلوا ذالك عن طريق الإرتداد للإنسانية ، الإرتداد للعزلة ، هكذا فعل بوذا كى يجعل التاريخ ينحنى له ، وفى الرواية الإسلامية عندما أراد الله أن يبعث محمداً ، جعله يعتكف فى الصحراء منفرداً وأكّد عليه أنّهُ بشر ، إنسان فائق الإنسانية ، والعزلة هى الطريق إلى الإنسانية .

أنت لا تحتاج لهم بكل بساطة ، لا تحتاج لصديق ولا حبيب ولا زوجة ولا أى إنسان ، لا تحتاج للحب الرومانسى ولا الجنسى ، ولا للصداقة ولا أى علاقة إنسانية .. تستطيع التكيّف بمفردك ومنح نفسك شعور الإطمئنان ، ما يجذبنا فى العلاقات الإجتماعية هو الطَمَع ، نطمع فى المزيد من السعادة ، المزيد من الإثارة ، المزيد من المتعة الجنسيّة أحياناً ، لكن هذا المزيد يأتى بنتيجة عكسية ، المزيد من السعادة سيجعلك تفقد الإطمئنان ، الإثارة تخرجك من الملل لكنها قد تقذف بك إلى الحزن والإكتئاب ، الندم ، الشعور بالضعف . ليس هناك صديق متوازن سوى الطبيعة نفسها ، التموّجات الصخرية فى الصحراء ، تدفق المياه فى الشلالات ، إنسياب العطر الطبيعى فى الغابات بعيداً عن العطور المُصنّعة بيد الإنسان ذات الرائحة المقززة المبتذلة . أغلى عطور العالم تبدو مبتذلة أمام رائحة الليل منفرداً فى صحراء قاتلة ، لأنك إنسان ، عندما وُلدت كان جهازك العصبى مهيئاً لإستقبال عطر الغابات والصحارى لا رائحة بلاك ستار ودولتشى . لكن المجتمع يجب أن تكون لهُ مخلفات ، ويجب أن يستهلك الفرد ـ الذى هو أنت ـ هذة المخلفات حتى يضمن الإستمرارية ، تروس تروس ، لقد تحولنا من بشر إلى تروس فى آلة كبيرة تُدعى المجتمع ، نُصلّى للمجتمع ، ندعو الله أن يمنحنا قبول المجتمع ، نُحاول جاهدين أن نندمج فى المجتمع ، , وكأننا بحاجة إلى هذا التنظيم أصلاً ، وكأنه ليس تنظيم سرطانى يهدف لإستنزاف الإنسانية ، يجب أن نوقف هذا العبث .

كل ما هو غير طبيعى ينتهى بشكل مأساوى ، وهكذا هو المجتمع البشرى ، غير طبيعى وغير مقبول من ذاته ولا من الطبيعة ، خروج عن الإنسانية ، سينتهى هذا الوضع الشاذ الذى استمر آلاف السنين نهاية مروّعة ، بكارثة لا يمكن إصلاحها أبداً ، ستنتهى الأرض وتتوقف عن العطاء إحتجاجاً على هذة التجمعات الغير منطقية ، عاش البشر على هذا الكوكب مائتى ألف عام ، وبدأوا فى التجمّع المُريع هذا منذ بضعة آلاف من الأعوام فقط ، ومن هذا الوقت وحتى الآن بدأ الدمار بعجلة تصاعدية ، يُقال أنه فى العقد الأخير وصل الإنتاج الإنسانى من الكتب إلى أكثر من مجموع ما تم إنتاجه خلال خمسة آلاف عام مضت ، أى أن معدل قطع الأشجار تضاعف مئات المرآت ، معدل إستهلاك البترول ، إستهلاك الفحم والهواء الجوى ، معدل إستهلاك التربة والمياه ، لقد تضاعفنا وتطوّرنا فى عكس الإتجاه الطبيعى لإنسانيتنا ، تحوّلنا لآلات تفتقد الشعور البشرى ، بدأ الضعف يغزو الروح مع كل حركة تدفع الإنسان إلى الإلتحام بأقرانه ، ضعف .. يدفعنا إلى الإحتماء سويّاً . عندما كان كل إنسان بمفرده ، لم يتعرض لأى حادث يسبب له الشعور الروحى بالضعف والإحتياج النفسى ، حتى الحيوانات المتوحشة كانت تثير فيه مَلَكة التفكير وتُشعل فيه الشجاعة للقتال البدائى ، لكن تواجده مع البشر جعله ينسى بدائيته ، ولا يستطيع أن يتعامل مع الخطر الذى من نوع آخر ، خطر الإنسان على الإنسان ، فبدأ يضعف ويُفرغ طاقته فى التقدّم المادى ، وماتت الروح تماماً حتى أنكر كثير من العلماء المعاصرين وجودها أصلاً ، وربما هم محقون فى ذالك ؛ لا توجد روح فى إنسان يعيش داخل ناطحة سحاب وسط ملايين من البشر ، الروح يجب أن تشغل حيزها المناسب من الفراغ . لكن التواجد مع الآخرين يضغط على الروح ويحددها ، يكبح طاقاتها ويصيبها بالأزمات ، مهما كانت درجة الثقة فى هؤلاء الآخرين ، حتى لو كان محيطك الإجتماعى صغير جداً فإنه غير موثوق ، لم يكن فى ولاية أوهايو الأمريكية عام 1895 سوى سيارتين فقط ومع ذالك وقعت حادثة اصطدام بينهما ، الإنعزال يعنى الإنعزال التام لا تقليل حجم المحيط الإجتماعى .

لست فقط أَدعوك إلى الخروج من المجتمع ؛ بل أدعو نفسى وأدعو المجتمع إلى الخروج من ذاته ، إلى التفكك ، أن نُصبح أفراداً متفرقين يعيش كل منا بإنسانية مفرطة ، هذا مستحيل ـ ربما ـ لكنه ليس خطئاً ، وإن لم تكن اقتنعت بشكل كامل ، فلابد أن شيئاً ما بداخلك يشعر بالراحة تجاه الفكرة ، هذا الجزء هو فطرتك البشرية الطبيعية ، سيأتى يوم ما فى المستقبل ونضطر جميعاً للإنصياع لهذة الطبيعة حتى نستطيع المواصلة على الكوكب ، أو نقف أمامها معاندين ونرحل عنه .

                                       العزف المنفرد

الأربعاء، 9 يناير 2013

ما وراء هيام


قررت أن أسترخى على السرير ساعتين قبل أن أكمل مراجعة مادة الكيمياء التحليلية ، عندما استيقظت وجدت تويتر مشتعلاً ، كل التويتات متجهة ناحية هاشتاج واحد ؛ #هيام ؛ سبحان الله ما هذا الذى أرى ، أهو تويتر أم موقع من المشترى ، ما بال النشطاء وأنصاف النشطاء يتكأكأون على هاشتاج تافه بهذا الشكل ؟!

هاشتاج #هيام الذى جذب الآلاف


إذاً فلنرى ، هيام هى الوريثة الشرعية لـ هبة ، و"هبة" يا سيّدى الذى لا يقرأ التاريخ هى صاحبة المكالمة الجنسية الأشهر فى التاريخ (لسماع المكالمة +18 اضغط هــنــا | تحليل إسلام الرفاعى للمكالمة إضغط هــنــا) ، ولن أسمح لك إطلاقاً أن تقلل من شأن هبة ، هبة ؛ يا سلام على هبة ، هو كان فيه زيها فى الحنان والدلع ، الشعب المصرى بأكمله تعلم الدلع على يد هبة والكائن متعدد الخلايا الذى كان معها .

نعود إلى موضوعنا ؛ قصة هيام بإختصار هى فتاة "شمال" كما وصفها البعض قامت بعمل تسجيل على "الأنسر ماشين ـ جهاز الرد الآلى" لرقم هاتفها ، تطلب من كل متصل أن يحول لها رصيد مقابل "جنس على التليفون أو مقابلة شخصية" ، هى داعرة من النوع الذى استشرى كثيراً فى الفترة الأخيرة ، جذبتها سهولة المهنة ووفرة العائد ، فقط عليها أن تغرى قليلاً من هؤلاء الذين لا يجدون للجنس طريقاً شرعياً أو غير شرعى ، مكالمة على الهاتف تلهب خيالاتهم ، هيام ليست هى الأولى فى هذا المجال ولن تكون الأخيرة أبداً طالما نلقى بكل محاولات الإصلاح الإجتماعى إلى المجهول ، مثل مبادرة (لنتوقف عن التحرش ونبدأ ممارسة الجنس ـ أحمد سمير) التى أخذت ضجتها المؤقته على مواقع التواصل ثم ذابت كما تذوب أى فكرة فى الوطن .

وعلى كل حال فإن فكرة الدعارة عبر الهاتف ليس جديدة إطلاقاً ، راجع فيلم عودة الندلة وسترى الداعرة التى أقعدها المرض فلجأت إلى الإباحة عبر الهاتف ، لكن وقتها كانت التعبيرات بسيطة ، لابسه إيه دلوقتى ؟ لابسة قميص أحمر .. لكن هيام انطلقت بكامل طاقتها لتعلن تفاصيل خفية وأسرار عسكرية ، ولا تكتفى حتى تعطيك عينه من البضاعة التى ستستلمها إن شاء الله بعد تحويل الرصيد للطاهرة ، وبمناسبة الطهارة فإن هيام تعدك بـ "شرف المهنة" أنه لن يكون هناك أى نصب عليك ، وتقسم بالله العظيم أنها جادة جداً ، ولو قدرتها هتقدرك ، لا أدرى لماذا ارتبط القسم بالله العظيم من هيام فى عقلى بوعود الإخوان ، وعود الدعارة التى لن يتم تنفيذها ، ومن يثق فيها هو شخص مكبوت يتعلق بأى شـ** تلوح له بجسدها .

تصور مبدئى للفتاة التى هزت عرش تويتر

هنا يأتى دورى كـ كاتب مبتدئ مالوش فيها يتقمص شخصية المحلل النفسى ، لأسرد رأيى المتواضع حول السبب الذى يجعل هيام تثق أن مجرد القسم بالله فى مكالمة إباحية ستجعل الشباب الهائج يثق فيها ..

1 ـ لأن المهتاج جنسياً متدنى الوعى (الفئة المستهدفة) على إستعداد تام أن يثق فى أيّاً كان يشير له بقطعة لحم عارية أو صوت قطعة لحم تتعرى .

2 ـ القسم بالله له هيبة لم تستطع كل الأكاذيب المنتشرة فى الوطن أن تمحوها ، تترسخ لدينا فكرة أن من يقسم فهو صادق رغم أن الأكثر كذباً هم الأكثر أَيمَاناً ، هذا ليس شعب متدين كما تظن بل هو نوع من السذاجة .

3 ـ ببساطة لا توجد طريقة تأكيد أخرى ، على الهاتف لك الخيار إما أن تثق أو لا تثق ، والداعرة فى النهاية لا تملك إلا سمعتها فى الوَسَط .

لكن هل تشعر الطاهرة بالراحة فى أعماق قلبها عندما تقسم بالله العلى العظيم وسط مكالمة إباحية ؟
كيف يكون هذا ؟

إنها مرحلة متأخرة من التفسخ الأخلاقى ، مرحلة متقدمة من التجارة بالدين ، مرحلة ثالثة تنسيق دعارة مدينة نصر ، هيام التى شهرتها الصدفة البحتة لتجعلها أجمد من غسان مطر تهمس فى آذاننا بمجموعة من الرسائل ؛ أولها أن الثورة يتيمة !

الثورة يتيمة يا سادة إلا من هؤلاء الذين يعتصمون ويتظاهرون ويخرجون فى المسيرات حاملين أعلاماً قد تصبح أكفانهم فى أى وقت ،  أما نشطاء تويتر فهم ليسوا أبناء الثورة وإنما أبناء الهاشتاج الأكثر إنتشاراً ، كان يجذبهم هاشتاج #يسقط_حكم_العسكر وغرّدوا تحت #حقوق_الشهداء ، ثم فضحتهم هيام وأزاحت ثوريتهم المزيفة ، هم فقط يعشقون الظيطة ويهدفون إلى جذب الفوللورز (بالمناسبة لا تنسى فوللو مى) .

تويترى

الرسالة الثانية من الطاهرة الشريفة ؛ أنكم جميعاً رأسماليين متعفنين ، صحيح أنى أصنف نفسى كرأسمالى ، لكن هناك فرق بين الرأسمالى الأخلاقى والرأسمالى اللاأخلاقى المتعفن ، تماماً مثل الفرق بين الفينو والفينو البايت ، هيام تبيع جسدها بطريقة ما مقابل أموال بطريقة ما ، صحيح أنه بيع إفتراضى (آآه آآى) مقابل أموال إفتراضية (كروت شحن) ، لكنه يبقى بيع للجسد مقابل مال ، لا أدعو للشفقة عليها لأن هناك آلاف المحتاجات الشريفات اللاتى لا يبعن أجسادهن ، لكن أدعوكم أن تفكروا قليلاً فى الظروف التى قد تؤدى إلى هذة الحالة ، حتى يتحقق مبدأ التماسك المجتمعى ولا نصل لحالة الأخلاق الهُلامية ، أو الأخلاق الهيامية بالأحرى .

المعنى الثالث الذى نستفيده من معلمة الأجيال ؛ أن الفضيحة لا تطال المحترفات أبداً ، من فيكم يعرف شخصية هيام الحقيقية ؟ .. لا أحد ، فقط هو حساب مزيف باسمها على تويتر ، بينما يقوم أنصاف الرجال بفضح فتيات على مواقع التواصل الإجتماعى لا ذنب لهن إلا وضع صور شخصية حقيقية ، تدعو هيام إلى التحلل المجتمعى علانية ولا يعلم أحد من هى على وجه التحديد ، وربما هى تقرأ الآن وتبتسم وتخرج إلى الشارع بكل ثقة وهدوء وستتزوج وتنجب أبناءاً وبنات ينشرون الفكر الهيامى ، بينما كثيرات قد فقدن حياتهن فى الصعيد جزاءاً لمحاولات يائسة تهدف إلى التحرر ، ويطول تشويه السمعة المذيعات والصحفيات ، وتعيش هيام حياتها بهدوء .

هيام أضحكتنا ، لكن لا يجب أن نفوت الموقف دون أن نتعلم منه ، دمتم بخير ..

عمر أبوالنصر
10/1/2013
5.10 AM

الأربعاء، 19 ديسمبر 2012

أقولك على سر ؟



عارف نفسى فى إيه يا عُمر ؟
نفسى يبقى عندى فلوس كتير ، مش علشان أنا طماعة ، لكن علشان أخلى أهلى يعيشوا كويس ، وأخواتى يتعلموا كويس ، وأمى تبطل تبكى ، نفسى بجد أمى تبطل تبكى ..
ونفسى أشوف أبويا بيضحك منغير نظرة وجع فى عينيه ؛ تفتكر الأحلام دى مستحيلة ؟

آه مستحيلة ..

بجد ؟

آه .. تحبى أقولك إنها ممكنة ؟

لأ متكدبش عليا ..

اسمعينى .. مشكلتك مش شخصية ، إنتى عايشة حالة الوطن ، مافيش أم مصرية مش بتبكى ، مافيش أب مصرى عينيه خالية من نظرة الوجع .. قولى يارب ..

___

ليه مقدمتش المشروع بتاعك لمسابقة أبحاث مكتبة الأسرة اللى تبع المحافظة ، فكرتك جامدة وأكيد كانت هتاخد مركز كبير أو ممكن تتأهل جمهورية ..

ومين قالك إنى مقدمتش ؟

طيب أومال ايه ؟

أبداً يا سيدى ، أخدت المركز التانى ورفضوا يأهلونى للمرحلة النهائية فى القاهرة ، ولما سألت قالولى بالنص "منقدرش نطلع الأول على أسيوط واحد نصرانى" ..

إيه ؟!

شيبسى وكاراتيه ؛ زى ما باقولك كده ، كنت فى تانية اعدادى ومقدرتش أستوعب اللى بيقولوه ، بس فاكر إنى قعدت أعيط ورحت لأبويا وحكيتله اللى حصل ؛ قاللى بس مش عايزين مشاكل أحسن يطلعونا من البلد ..

إيه ؟!

مندهش ليه ؟
أنت عارف المسيحيين بيتعاملوا ازاى فى البلد دى ولا انت من كاليفورنيا ؟

عارف يا عم بس مكنتش فاكر للدرجادى ..

يبقى أديك عرفت إنها للدرجادى ، من ساعتها وأنا ممسكتش مفك فى إيدى وكرهت الهندسة والكهربا والإختراعات وكل حاجة ، ولو شفت حد بيعمل حاجة تفيد البلد دى بابقى عايز أقوله إنفد بجلدك ، موهبتى ضاعت علشان أنا "نصرانى" .. 
فاهم ولا هتقوللى "إيه" ؟!


___


تفتكر الواحدة ممكن تجيب أطفال من واحد هى مش حاسه معاه بالأمان ؟

أنا شخصياً باحب البطاطس ..

بطل هزار يا عُمر ..

حاضر ، أنتى نفسك فى أطفال ؟

أوى أوى أوى ، بس مش عايزة !

البطيخة ..

بس بقى باتكلم جد ..

إزاى نفسك فى أطفال أوى ومش عايزة ؟

مش عايزه أطفال يكون هو أبوهم ، أنا مختارتش الشخص ده علشان يكون جوزى ، ومش هاختاره يكون أبو أطفالى ، عايزه ابنى أو بنتى يكونوا فى أسرة صح ، أسرة بتحب بعضها ، أنا مش باحبه وهو مش بيحب غير جسمى ، أنا اخترت "ضِل راجل" وهو اختار "جسم بنت" ، مش عايزة ولادى يكونوا ناتجين من زواج ضِل راجل وجسم بنت ..



___

عارف صاحبتى اللى حضرت فرحها من شهرين ؟

آه ؛ مالها ؟
ولادها دخلوا المدرسة ؟

لأ .. اتطلقت ..

إيه ؟ .. بجد ؟ .. هى لحقت !!

جوزها بيضربها وبيهينها وبيشتمها بأهلها ..
وأخو جوزها بيشتمها وبيعاملها وِحِش ..
وحماتها بتشتمها ومطينة عيشتها ..

طيب ليه أبوها مش بيتدخل ويحميها ؟

أبوها راجل طيب ومالوش فى حاجة ، غلبان .. بص من الآخر هو راجل عبيط ومش قادر يجيب حق بنته ..

طيب مالهاش أخوات ولاد ؟

أخوها أكبر منها بأربع سنين مطلعها هى غلطانة وقاللها "مش عايز أختى تبقى متطلقة" ..

فيه كده ؟!!

وأكتر .. جوزها هيرجعها ورجلها فوق رقبتها منغير أى شروط ، يعنى هترجع تتبهدل أكتر منغير ما تقدر تفتح بقها !

ياااااه !! ..

عارف إنها مش بتطيق تسمع صوته ، ولا بتطيق تنام معاه ، وليلة الفَرَح كان يوم أسود عليها علشان بيتعامل على السرير زى الحيوان ، هى أصلاً مش بتقول عليه غير الحيوان ، لكن قدامه مش بتقدر تفتح بقها ، علشان متبقاش "مُطلقة" ، وانت عارف الناس بتبص ازاى للمطلقة ، يعنى مستحملة تعيش مع واحد زى ده بتكرهه وبتكره أهله وبتنام معاه على نفس السرير بس علشان متبقاش مُطلقة ..

عُمر .. أقولك على سر ؟ .. "إحنا فى مجتمع مريض" .. بس متقولش لحد ..