الاثنين، 11 مارس 2013

مائتى ألف عام من العزلة

مُقدّمة : قال أرسطو ؛ أن الأجسام المادية عندما تسقط من أعلى إلى أسفل ، فإن سرعتها تتوقف على كتلة الجسم ، أى أن طناً من الحديد سيصل إلى الأرض أسرع من كيلو واحد من نفس المادة ، ووافقه على ذالك كثير من الفلاسفة والعلماء . لكن العلم الحديث أثبت خطأ هذة النظرية تماماً ، وفى الواقع ؛ كثير من آراء الفلاسفة كانت مجرد تجاوزات علمية ، لكن هذا لا يعنى بأى حال أن نُلقى باللوم عليهم ونتهمهم بالخطأ ، لأن الفلسفة أصلاً ليس فيها ما يُسمى خطأ فى الرأى ، رأيك هو رأيك وسيظل كذالك ولا يمكن أبداً وصفه بالخطأ المطلق ، لأن الحياة عبارة عن حالة كبيرة من حالات تطبيق مبدأ عدم التأكد ، لا يمكن الوصول ليقين ما فى أى مسألة خاضعة للبحث العلمى ، وكل الأشياء يمكن إخضاعها للبحث العلمى ومنهجيته . وبناءاً عليه فإن ما يلى من سطور لا يمكن وصفه بالخطأ المطلق ولا بالصواب ، لا أريدك أن تشعر باليقين وأنت تقرأ ، ولا تشعر بالشك ، لا تشعر أصلاً ، فقط فكّر وحاول أن تستمتع ما استطعت ، لا أنصحك بالتطبيق العملى لما ستقرأه .
__

لماذا نحن ضعفاء إلى هذة الدرجة ، غير متماسكين ونحتاج دوماً إلى أطراف أخرى ، مقتنعين تماماً أننا كائنات إجتماعية ، الإنسان .. كائن إجتماعى ؛ الإنسان .. كائن إجتماعى . أصلاً ، الإنسان ليس كائن إجتماعى ، بل هو كائن منعزل لأقصى درجة ، لديه القدرة على منح روحه كل المشاعر التى يحتاجها ، ومنح جسده الطاقة الكافية للحياة لفترة طويلة  بدون الإصابة بأى مرض ، لكن الوجود فى جماعات يقتله ، يثير فى جسده الملوثات فيموت بالتسمم البطئ قبل عمره الإفتراضى ، ويخلق فى روحه المشاعر المستثارة ، الحزن القاتل والسعادة القاتلة ، فتبدأ مشاعره فى التكون ، مغموم / سعيد / حزين / مضطرب ، كل هذا بسبب الجماعة الإجتماعية ، لكن التواجد منعزلاً يلائم طبيعة الروح ، فيستطيع عندها الفرد أن يمنح نفسه الشعور الذى يريده ، الشعور الوحيد الذى يريح الإنسان ولا يقتله أبداً ، الشعور الذى لا يمكن أن يكون متطرفاً أو مثيراً أو قاتلاً ، شعور الإطمئنان . لن نطمئن أبداً وسط الآخرين ، ما دمنا نحتاج لَهُم ونرافقهم ؛ لن نصل للإطمئنان الكامل ، ولن تتمكن أرواحنا من صب هذا السائل المنعش من الهدوء على  الجسد ، ما دام هناك شخصٌ ما يسمع ويرى ما تفعله روحك ، لا يوجد إنسان طبيعى يتصرف بتلقائية متناهية فى وجود الآخرين ، بينما فى العزلة التامة ، يطمئن الجسد ويطمئن العقل وتهدأ الروح ، فنبدأ فى ممارسة شعائر إنسانيتنا ، ربما نتصرف بمعزل عن كل حضارة ، ربما بهمجية أو بدون ذوق ، الذوق أصلاً هو أحد الإختراعات الفاشلة للجماعات الإجتماعية تماماً مثل علامات الترقيم وإشارات المرور ، كلها إختراعات فاشلة . راقب نفسك بمفردك فى مكان خالى تماماً من أى إنسان آخر ، ستجدك الحقيقى ، الإنسان الصحيح الذى لا يحتاج إلى أى شئ ، تستطيع أن تمنح نفسك السعادة إن أردتها ، وتستطيع بمزيد من الحكمة أن تمنح نفسك الطمأنينة وأنت تسترد إنسانيتك شيئاً فشيئاً .

أما الذين يبحثون عن الآخر ويفتقدونه ، الباحثين عن الحب / الصداقة / الأمومة وغيرها ، هم أشخاص لم يدركوا بعد إنسانيتهم بشكل كامل ، فرضت عليهم إجتماعية البشر الحاليين أن يصبحوا هم أيضاً كذالك ، لكن التواجد فى جماعات تحتاج بعضها بعضاً ليس هو الأصل ، بل هى صفة تطوريّة ، اكتسبها الإنسان على مر مئات الآلاف من السنين ، يحتاجون فقط إلى بعض التوعية وستظهر إنسانيتهم المنعزلة على الفور . أنت لا تحتاج للآخر حتى تشعر بالدعم والمسانده ، لأن الآخر هو الذى جعلك تشعر بالضعف من البداية ، لو لم تكن وسط هذا الكم من البشر لما شعرت بالضعف فى بعض الأوقات ، ثم تشعر بأنك تحتاج إلى من يساند ضعفك فتلجأ إلى صديق ، تهرب من المجتمع إلى أحد أفراده ، لقد استعبدتك الجماعة الإجتماعية وأقنعتك بهذة العبودية . أنت ـ فى عزلتك ـ لست بحاجة إلى طرف الآخر كى تشعر حتى بالإشباع الجنسى ، وفى داخلك جزء ما مُدرك تماماً لهذة الحقيقة ، لهذا تمارس العادة السريّة ، لكن المكوّن الإجتماعى حولك يضغط مرة أخرى ويحاول إقناعك أنها حالة شاذة ، لكن الحقيقة أن جسدك مؤهل بالفعل لإشباع نفسه جنسيّاً بدون وجود شريك آخر ، بدون وجود الآخر .

عندما خلق الله آدم ، تذكّروا القصة جيداً ؛ خَلَقَ معهُ حواء كى تؤنس وحدته ! .. هذا ليس صحيح إطلاقاً ، لا يمكن أن يخلق الله نصف المجتمع كى يملأ وقت الفراغ للنصف الآخر ، ما هذا العبث ، كما أنى لم أجد أى مصدر مؤكّد لهذا التفسير الغريب "كى تؤنس وحدته" ، هل أدرك الله بعد أن خلق آدم أنه قد خلق كائناً إجتماعيّاً ، فأراد أن يعوّض هذا الإدراك المتأخر بخلق كائن آخر ، الرواية ليست منطقية إطلاقاً وإنما خلق حواء له أسباب أخرى لا أدّعى العلم بها ، لكن التاريخ يكره الثغرات ، والبشر يريدون أى تفسير يرضى نظريتهم العجيبة "الإنسان كائن إجتماعى" ، وفى الحقيقة خُلق آدم وحيداً ، وخُلقت حواء وحيدة ، حتى مع تواجدهما سويّا كانا يعيشان الوحدة ، على أرض مساحتها ملايين الكيلومترات ، رجل وزوجته ، إن لم تكن هذة هى العزلة المطلقة فماذا تكون إذاً ؟ ـ ثم بدأت التكتلات ، بدأ الإجتماع على مر العصور ، تكونت القرى والمدن ، أهمل الإنسان سلبيات الإجتماع فأصبح معتاداً عليه ، تماماً كما اعتاد على السير منتصباً .. انتشرت السرقة والقتل ، والغش والخداع ، ظهر أسوأ ما فى البشر ، الحقارة والنذالة ، الصفات المتنحية التى تحتاج فقط لعوامل الإجتماع حتى تظهر ، ثم خرج بعض الحكماء الذين أدركوا إنسانيتهم فانعزلوا عن الآخرين ، لاحظ أن كل الذين غيروا مجرى التاريخ فعلوا ذالك عن طريق الإرتداد للإنسانية ، الإرتداد للعزلة ، هكذا فعل بوذا كى يجعل التاريخ ينحنى له ، وفى الرواية الإسلامية عندما أراد الله أن يبعث محمداً ، جعله يعتكف فى الصحراء منفرداً وأكّد عليه أنّهُ بشر ، إنسان فائق الإنسانية ، والعزلة هى الطريق إلى الإنسانية .

أنت لا تحتاج لهم بكل بساطة ، لا تحتاج لصديق ولا حبيب ولا زوجة ولا أى إنسان ، لا تحتاج للحب الرومانسى ولا الجنسى ، ولا للصداقة ولا أى علاقة إنسانية .. تستطيع التكيّف بمفردك ومنح نفسك شعور الإطمئنان ، ما يجذبنا فى العلاقات الإجتماعية هو الطَمَع ، نطمع فى المزيد من السعادة ، المزيد من الإثارة ، المزيد من المتعة الجنسيّة أحياناً ، لكن هذا المزيد يأتى بنتيجة عكسية ، المزيد من السعادة سيجعلك تفقد الإطمئنان ، الإثارة تخرجك من الملل لكنها قد تقذف بك إلى الحزن والإكتئاب ، الندم ، الشعور بالضعف . ليس هناك صديق متوازن سوى الطبيعة نفسها ، التموّجات الصخرية فى الصحراء ، تدفق المياه فى الشلالات ، إنسياب العطر الطبيعى فى الغابات بعيداً عن العطور المُصنّعة بيد الإنسان ذات الرائحة المقززة المبتذلة . أغلى عطور العالم تبدو مبتذلة أمام رائحة الليل منفرداً فى صحراء قاتلة ، لأنك إنسان ، عندما وُلدت كان جهازك العصبى مهيئاً لإستقبال عطر الغابات والصحارى لا رائحة بلاك ستار ودولتشى . لكن المجتمع يجب أن تكون لهُ مخلفات ، ويجب أن يستهلك الفرد ـ الذى هو أنت ـ هذة المخلفات حتى يضمن الإستمرارية ، تروس تروس ، لقد تحولنا من بشر إلى تروس فى آلة كبيرة تُدعى المجتمع ، نُصلّى للمجتمع ، ندعو الله أن يمنحنا قبول المجتمع ، نُحاول جاهدين أن نندمج فى المجتمع ، , وكأننا بحاجة إلى هذا التنظيم أصلاً ، وكأنه ليس تنظيم سرطانى يهدف لإستنزاف الإنسانية ، يجب أن نوقف هذا العبث .

كل ما هو غير طبيعى ينتهى بشكل مأساوى ، وهكذا هو المجتمع البشرى ، غير طبيعى وغير مقبول من ذاته ولا من الطبيعة ، خروج عن الإنسانية ، سينتهى هذا الوضع الشاذ الذى استمر آلاف السنين نهاية مروّعة ، بكارثة لا يمكن إصلاحها أبداً ، ستنتهى الأرض وتتوقف عن العطاء إحتجاجاً على هذة التجمعات الغير منطقية ، عاش البشر على هذا الكوكب مائتى ألف عام ، وبدأوا فى التجمّع المُريع هذا منذ بضعة آلاف من الأعوام فقط ، ومن هذا الوقت وحتى الآن بدأ الدمار بعجلة تصاعدية ، يُقال أنه فى العقد الأخير وصل الإنتاج الإنسانى من الكتب إلى أكثر من مجموع ما تم إنتاجه خلال خمسة آلاف عام مضت ، أى أن معدل قطع الأشجار تضاعف مئات المرآت ، معدل إستهلاك البترول ، إستهلاك الفحم والهواء الجوى ، معدل إستهلاك التربة والمياه ، لقد تضاعفنا وتطوّرنا فى عكس الإتجاه الطبيعى لإنسانيتنا ، تحوّلنا لآلات تفتقد الشعور البشرى ، بدأ الضعف يغزو الروح مع كل حركة تدفع الإنسان إلى الإلتحام بأقرانه ، ضعف .. يدفعنا إلى الإحتماء سويّاً . عندما كان كل إنسان بمفرده ، لم يتعرض لأى حادث يسبب له الشعور الروحى بالضعف والإحتياج النفسى ، حتى الحيوانات المتوحشة كانت تثير فيه مَلَكة التفكير وتُشعل فيه الشجاعة للقتال البدائى ، لكن تواجده مع البشر جعله ينسى بدائيته ، ولا يستطيع أن يتعامل مع الخطر الذى من نوع آخر ، خطر الإنسان على الإنسان ، فبدأ يضعف ويُفرغ طاقته فى التقدّم المادى ، وماتت الروح تماماً حتى أنكر كثير من العلماء المعاصرين وجودها أصلاً ، وربما هم محقون فى ذالك ؛ لا توجد روح فى إنسان يعيش داخل ناطحة سحاب وسط ملايين من البشر ، الروح يجب أن تشغل حيزها المناسب من الفراغ . لكن التواجد مع الآخرين يضغط على الروح ويحددها ، يكبح طاقاتها ويصيبها بالأزمات ، مهما كانت درجة الثقة فى هؤلاء الآخرين ، حتى لو كان محيطك الإجتماعى صغير جداً فإنه غير موثوق ، لم يكن فى ولاية أوهايو الأمريكية عام 1895 سوى سيارتين فقط ومع ذالك وقعت حادثة اصطدام بينهما ، الإنعزال يعنى الإنعزال التام لا تقليل حجم المحيط الإجتماعى .

لست فقط أَدعوك إلى الخروج من المجتمع ؛ بل أدعو نفسى وأدعو المجتمع إلى الخروج من ذاته ، إلى التفكك ، أن نُصبح أفراداً متفرقين يعيش كل منا بإنسانية مفرطة ، هذا مستحيل ـ ربما ـ لكنه ليس خطئاً ، وإن لم تكن اقتنعت بشكل كامل ، فلابد أن شيئاً ما بداخلك يشعر بالراحة تجاه الفكرة ، هذا الجزء هو فطرتك البشرية الطبيعية ، سيأتى يوم ما فى المستقبل ونضطر جميعاً للإنصياع لهذة الطبيعة حتى نستطيع المواصلة على الكوكب ، أو نقف أمامها معاندين ونرحل عنه .

                                       العزف المنفرد

هناك تعليقان (2):

  1. من أجمل ما قرأت منذ عرفت طريقي إلى المدونات

    كنت أريد أن أقول عرفت أخيرا أنني لست وحيدا ثم تراجعت !

    أشكرك على كل هذا الجمال

    ردحذف
  2. مش عارف اقول ايه

    بصراحه مفيش اروع من الكلام دي

    وموضوع جميل

    جزاك الله كل خير، ورفع قدرك، ونفع بك

    ردحذف

تعليقك لازم يكون مفيد، الشكر وإبداء الإعجاب أمور غير مفيدة.