الأحد، 30 مارس، 2014

سطح بيت جد عبد العاطي

وانا صغير كان عندي شوية أحلام متلغبطة في بعضها، كنت طفل انطوائي باطلع فوق سطح بيت جدي وافضل اعمل بيوت وقصور وبتاع، وعايز أبقى مهندس، بس المشكلة إني برضو كنت بافضل اركب توابل وملح وشطة وتراب وأي حاجات فوق بعضها يعني ممكن أبقى كيميائي أو صيدلي، وبرضو كنت بافضل افكر كتير لوحدي في حاجات عميقة يعني كان ممكن ابقى عميق ناجح أو أدمن مشهور لصفحة الحلاج أو صفحة اللامنتمون.

لكن لما كبرت دخلت صيدلة والموضوع انتهى، وانا صغير كانت فكرتي عن الصيدلة بدائية شوية، يعني كنت متخيل إن الصيدلي ممكن يقوم من النوم وقد اكتشف سر مرض السرطان مثلاً يقوم يدخل المعمل (أكيد كل صيدلي عنده معمل جنب السرير) ويعمل الخلطة ويرجع ينام يصحى الصبح يتصل بوكالات الأنباء يقولهم إنه اكتشف علاج للسرطان وبعدين يغسل وشه ويفطر ويعمل مؤتمر صحفي، أفكار لذيذة.

مش أنا بس، كل اصحابي الطموحين كانت فكرتهم عن مجالاتهم زي كده، واحد صاحبي ـ في طب بشري دلوقتي ـ كان عنده طموح رائع إنه يكتشف علاج لمرض جديد مثلاً، مع إن اكتشاف العلاجات عمل صيدلي بحت لكن مش مهم قشطة يعني احنا كمجتمع طبي أسرة مع بعضينا.

كل ده مقدمة علشان اتكلم عن اللواء عبدالعاطي، واضح إن اللواء عبدالعاطي كان بيطلع فوق سطح بيت جده يلعب لعبة "الإيدز والسكر والسرطان"، وفيما يبدو ـ والله أعلم ـ إنه كان معاه تلات عرايس بيمثلوا الأمراض الثلاثة وكل يوم يطلع مايتين أهاليهم ويقطعهم ويحرقهم ويقضي عليهم، ولما كبر قرر إنه يعمل كده بجد.

ناس كتير طموحاتها بتنهار في ثانوي، لكن عبدالعاطي لأ، عبدالعاطي دخل كلية علوم وبقى طبيب برضو، قرر إنه يعالج الأمراض بطريقة جديدة، مفيش حاجة اسمها تدرج منهجي لاكتشاف علاج جديد، فيه حاجة اسمها كان عندك صدفية وراحت، فتح عيادة وكتب فوقها "اللهم سق إلينا من أردت شفاءه" وبدأ يعالج من الصدفية والأمراض الجلدية، الموضوع بسيط، الصدفية اختلال في إفرازات الجلد، ندي الجلد حاجة تظبط الإفرازات.

لكن طموح عبدالعاطي أنليميتد، قرر يعالج الإيدز والسرطان، هو الإيدز ده إيه؟، مش فيروس؟، طب الفيروس إيه؟، مش أحماض أمينية؟، طب مش الأحماض الأمينية لو ارتبطت ببعضها ـ بروابط ببتيدية ـ مش بتكون سلسلة من عديدات الببتيد ولو ارتبطت السلاسل بتعمل جزيء بروتين ضخم؟، مش البروتين ده بنتغذى عليه؟

عبدالعاطي قرر يمشي في الحلقة دي ويحول الإيدز لبروتين يتغذى عليه المريض، بجد قرر يعمل كده، الموضوع يبدو منطقياً لكن أي حد شاف سكشن ميدسنال أو بايو من بعيد يقدر يقول إن التفكير ده بدائي جداً ويجب أن لا يتخطى مرحلة سطح بيت جد عبدالعاطي، الفيروسات مش هتتحول لأحماض يا عبدالعاطي والله.

لكن المشكلة مش في سيادة اللواء طبيب مكلف عبدالعاطي، المشكلة في الخيال، كلنا خيالنا خصب بسبب طبيعة ولادتنا كمصريين على ضفاف نهر النيل العظيم، لكن مينفعش كل اللي ييجي في خيالك تنفذه وتفترض فيه المنطقية.

لو جربت تشتغل فوريكس .. هتروح تقدم في شركة فوريكس، هيدوك حساب تجريبي، تتعلم وتتداول بفلوس وهمية، هتلاقي الموضوع بسيط، لكن أول ما تمسك حساب عادي وتتداول بفلوس حقيقية الموضوع بيختلف، بيختلف كتير.

عبدالعاطي لسه فاكر نفسه بيتداول بحساب تجريبي، مش قادر يستوعب فكرة إنه عدى مرحلة الديمو ودلوقتي فيه مرضى حقيقيين مستنيين علاج حقيقي لمرض حقيقي بيمس حياة 8 مليون مصري. مش بس كده، فيه لواءات وعمداء ومجندين اتعرضوا للإهانة والتجريح بشكل مباشر، فيه جيش عظيم أسسه الباشا محمد علي اتعرض للإهانة، كل ده علشان أحلام عبدالعاطي نزلت من فوق سطح بيت جده، نزلت كي تفشخ الوطن.

الفريق البحثي بتاع علاج كومبليت كيور (للصدفة البحتة اختصار كلمة كومبليت كيور هو CC ـ سبحان الله ) فيه أطباء آخرين، أطباء بجد خريجين كليات الطب المصرية، صحيح مفيش حاجة حقيقية اسمها كليات الطب المصرية لكن فيه مباني كتير بتتمول من أموال دافعي الضرائب ومكتوب فوقيها كلية الطب، كلية طب أسيوط، بنها، القاهرة، عين شمس، هكذا، فيه بقى ناس قعدت سبع سنين في الكليات دي وبعدين طلعت وقررت ـ بإرادتها الحرة ـ تشتغل مع عبدالعاطي في تطوير علاج يقضي على كل الأمراض، انتوا متخيلين الوضع؟

فكرة إنك تدور على علاج لكل الأمراض دي فكرة بدائية من أيام ما كانت الملكة الشريرة بتقف قدام المراية الناطقة وتقولها ابرزي بالقنينة، تقوم المراية تقولها خدي بس متقوليش لحد، القنينة دي هي بطلة الرواية، معرفش يعني ايه قنينة بصراحة بس هي شبه الفلاسك ( هو ده الفلاسك ).

المهم يعني، واضح إن كل الناس كان عندهم سطح جميل ومليء بمخصبات الخيال عند بيت جدهم، وواضح إن القدر ـ حكيم الخطى ـ قرر يخليهم كلهم يجتمعوا مع بعض في عمل بحثي واحد، عمل بحثي عظيم واحد سيكون فضيحة تنال من اسم هذا الوطن البائس لعقود كثيرة قادمة.

الثلاثاء، 11 مارس، 2014

الرجل الذي شرب الفرابتشينو مع حبيبته السابقة في الخيال

حوار متجدد
- ماذا تشربين؟

- شربت كثيراً، لنقتحم الأمر ونخلص

- دعكِ من تلك الجمل السينمائية، فيه هنا فرابتشينو بالبندق زي الزفت، أدعوكِ إليه بكل قرف

- اتكلم كويس يا عمر، احنا مفيش بيننا دلوقتي غير كل احترام

- حاضر

- حسناً ماذا نفعل الآن، دعنا ننهي الأمر قبل أن يرانا أحد، لا ينقصني سوى أن يعرف خطيبي بوجودي مع شخص غريب بمفردنا

- لكني لست شخصاً يا ريم، أنا لم أعد شخصاً، الشخصية ذابت كالملح بالماء وأصبحت وهماً، لن يغضب خطيبك ـ العِجل ـ عندما يعلم أنك جلست مع وهم بمفردكما، لا يغار الرجال العاديون ـ والعادية سُبَّة عندما يتعلق الأمر بالرجال ـ لا يغارون من الأوهام

- لكنك لست وهماً؛ أنت أكثر تحققاً من الأرض والوطن

- ما علينا، كفاية فزلكة لحد كده

- كفاية

- طيب نبدأ؟

- نبدأ إيه؟

- اتَّكي عليه

- نعم؟؟

- أقصد أنه ليس هناك ما نبدأه، لم تنتهي الأشياء كي نعيدها إلى نقطة البداية، وليس ثمة شيء جديد كي يبدأ، قولي "نكمل"

- لا، لن أقول "نكمل"، سأقول فقط بطل انت فزلكة فاضية وانزل على الأرض شوية يا فاشل

- طيب، بطلنا فزلكة، قولي لي ماذا نفعل الآن، الحياة واقفة والكوكب توقف عن الدوران حول الشمس، وحول محوره، لم تعد الأشياء تحدث منذ ذالك اليوم الأشقر الذي رأيتك به، أعطيني حلاً قبل أن أطلع تربنتين أهلك واعبيه في شوالات، خلاص، لا أستطيع التحمل أكثر

- مش فاهماك، مش قادرة افهمك ولا افهم تصرفاتك وكلامك العجيب ده، انزل قليلأً، او اصعد، تحرك تحرك، اخرج من أطوار الجنون تلك التي تعصف بك وبمن حولك، الأرض لا زالت تدور حول الشمس يا صديقي ولم يتغير شيء، الأشياء تحدث، أنت تتعلم وتكتب وتقرأ وتتنفس، وأنا كذالك، لا تبالغ وتواضع للحقيقة وتحرر من مراهقتك

- وكيف أتحرر إذا كانت كل كلمة منكِ تقيدني أكثر بهذا العقل الواعي، وهذا الجسد الثائر. المشكلة يا ريم ليست القدرة في التحرر، لكنها القدرة على خلق الرغبة في التحرر منكِ، لو كنت أريد لفعلت، لكني لا أريد

- عمر، انت أحمق، تقرأ الشعر وتسقطه على حياتك حرفياً، ربما قرأت للمجنون بيتاً قال فيه "وقالوا لو تشاء سلوت عنها، قلت لهم فإني لا أشاءُ" فأسقطت الحالة على ذاتك وتماهيت، توقف عن التماهي يا مجنون فستفقد حياتك يوماً متماهياً في شيء ما

- تصدقي صح .. انتي اتعلمتي كل ده فين

- لوحدي

- شكراً

- بطل بقى

- ابطل ايه

- أوف؛ لقد أصبحت لا تُطاق

- بجد؟

- لأ، لكن يجب أن أقول لك أنك لا تُطاق بين الحين والآخر، انا بنت، والبنات لا يجب أن يكُنَّ راضيات، أتعلم .. لو أصبحت الفتاة راضية عن كل شيء ربما تصاب بجلطة قلبية، السخط على الأشياء جزء من طبيعتنا

- كأنك لا تريدين لهذا الحديث أن ينتهي يا ريم، كأنه مسلي ولذيذ

- نعم؛ لكنه سينتهي، وسأعود لحياتي الطبيعية، وأنت كذا ستعود، وسأقف بعد شهور أمام زوجي عارية

- انتي سادية مريضة

- لست سادية، بل أذكرك بالحقيقة حتى لا نتمادى كلينا

- إذا كنت تعلمين أن وجودنا سوياً الآن خطأ وأنك ستقفين أمام "زوجك" بعد شهور، لماذا أتيت لمقابلتي؟

- يا مجنون، أتصدق أني أتيت لمقابلتك حقاً؟، أنت لم تدعني أصلاً، وأنا لم أجيء، انت تتحدث إلى نفسك في مدونتك وتختلقني اختلاقاً لأنك تشتاق إليَّ، وتجعلني أنطق بما تعتقد أني سأنطق به، تجعلني أتحدث مثلك، وتحشرني في الفصحى وأنا لست بنت الفصحى، اخرجني من هنا يا عمر قبل أن تنشر حوارك هذا على الملأ

- طيب طيب

- لا ليس الأمر طيباً، لقد زاد عن حده بجنون، حياتك تضيع، لقد رسمتني على كل شيء حولك، حتى تلك الجميلة التي ضاجعتها منذ يومين حدثتها عني على السرير، توقف عن ذالك

- لا تخرجي عن النص يا ريم، أنت تفسدين الحوار، وأنا أريده حواراً نقياً بيني وبينك، لا تتحولي وتصبحي ذاتي ويصبح الحوار ذاتياً، أنا مالك هذة المدونة ومن حقي أن أنشر فيها ما أشاء

- انت عبيط يابني؟، أنا لا أملك الخروج عن النص أصلاً، انت من تكتب باسمي الآن، أنا نائمة على سريري في منزلي وأنت تكتب باسمي، لا تطلب مني أشياءً، هذا ضرب من الجنون. ثم ما هذا التعبير "ضرب من الجنون"، كيف تكتبه على لساني، أنا لا أقول تلك الكلمات الميتة

- بصي يا بت، أنا اكتب اللي انا عايزه باسمك أو باسم أي حد، انا حر

- وانا كمان حرة، طلعني من هنا دلوقتي

- اسمعيني، أنا فعلاً أريد أن أنهي هذا الأمر، نوبات الاكتئاب تتكرر، صوتك يتكرر، وجهك يتكرر، لكني فعلاً لا أعرف ماذا أفعل، قولي لي أنتِ ماذا أفعل، الحياة تصبح أسوأ كل يوم يا ريم، ولا أمل، لا أمل إطلاقاً

- يعني لو قولتلك تعمل ايه هتسمع الكلام؟

- لأ، لكن قولي، أريد أن أستمع إليكِ

- عبث

- وما في الأرض غير العبث؟، يعني قدرتي تستحملي كل عشوائية وعبث الحياة ومش قادرة تستحملي قليل من الهرتلة يلقي بها عشيق قديم، قديم، يائس؟

- لا تلقي اللوم عليَّ، انت تعرف جيداً أني تحملتك كثيراً

- لا أعرف عن ذالك شيئاً

- بل تعرف، مجرد التعلق بك ألقى على صدري حملاً ثقيلاً

- آه صح بمناسبة الصدر؛ هل تراجعتي عن فكرة التصغير؟

- بطَّل بقى

- أبطل ايه، باسألك تراجعتي عن فكرة التصغير ولا لأ؟

- ليس من شأنك

- بل من شأني، لا تستطيع الشمس أن تنطفيء وتتجاهلني

- يابني بطَّل بقى، لم يعد كلامك يثير فيَّ شيئاً، أنا كبرت عليك، مهما حاولت أن تجذبني بالكلام الجميل لن تستطيع، الحياة صدمتني بقوة حتى أني أدركت أنك هلس

- لماذا يدرك الجميع أني هلس بشكل مفاجيء، وهل ادَّعيتُ قبلأً أني خليفة أمبيدوكليس في الملاعب؟، لا أرى وجهاً للمفاجئة، انتي تصورتِ شيئاً وآمنت به لفترة طويلة، ثم تراجعت عن إيمانك، ما ذنبي؟

- طيب، أنا مضطرة أمشي دلوقتي يا عمر، اشرب الفرابتشينو لوحدك، عندي خيال شاعر تاني لازم اروحله دلوقتي حالاً

- مفيش أحلى من خيالي يا بت، أنا عامللك جو شاعري خالص

- انت مجنون والله، انت صدقت فعلاً انك بتكلمني؟

- لأ، لكن التمنّي العميق يقرب الخيال من الواقع، وكلما زاد التمني زاد القرب، حتى يُجن المرء ويرى هلاوس يعتقدها واقعاً من فرط التمني

- حسناً لا تفرط فيه

- طيب

- ياللا سلام يا عمر، خد بالك من نفسك

- انتظري قليلاً يا روح أمك، انتي فاكراني تامر حسني تسيبيني كده واقولك قوليله ياخد باله منك؟، انتي هنا في خيالي ومش هتطلعي غير لما ابقى انا عايزك تطلعي

- لأ، هاطلع دلوقتي حالاً، حتى في خيالك لي الأمر من قبل ومن بعد

- تفتكري؟

- آه أفتكر

- طب قولي آسفة يا عمر

- آسفة يا عمر

- قولي أنا باسحب كل كلامي وانا أصلاً مقدرش اعمل حاجة منغيرك

- أنا باسحب كل كلامي ومقدرش اعمل حاجة منغيرك

- الله، خيالي حلو أوي، أقدر أخليكي تقولي أي حاجة

- أيوة بس كله كلام فاضي، مجرد خيال، انت عارف اني في الحقيقة مش باسمع كلامك أصلاً، مش باشوفك، مش باحس بيك، مش بانفذ أوامرك، كل اللي بتعمله محاولة للهروب لا أكثر، اؤمرني تاني وهتلاقيني بانفذ .. لأنك انت اللي بتكتب الحوار وانت اللي هتخليني أنفذ، بس ده في خيالك بس

- اسكتي شوية كفاية دوشة، عايز افتكر شوية حاجات وانتي ضاغطة على مركز التذكر في دماغي بصوتك

- أراهن إنك عايز تفتكر حاجة متعلقة بيَّا

- تكسبي

- كفاية كده يا عمر، تعالى نتكلم كشخصين متحضرين، كشخص بيخاطب خياله بتحضر، كلمني بتحضر شوية، انا واثقة فيك

- كدابة .. عمرك ما كنتي واثقة فيا، ولا لحظة، انتي معاييرك مضروبة بالنار ومتعرفيش حاجة اسمها ثقة أصلاً، وياللا ارجعي اتكلمي بالفصحى

- الفصحى من جديد .. لماذا؟

- مزاجي كده

- من فضلك أعدني إلى اللهجة العامية

- لأ الفصحى أحلى، بتخليكي زي العروسة اللعبة

- أتريدني كذالك؟، من فينا السادي المريض إذاَ؟

- كلانا يا ريم، كلانا تسادى ـ أي مارس السادية ـ على الآخر، كلانا متعب الروح ومصلوب على باب الرجاء، لقد قتلنا بعضنا كمملوكين في قتال ترفيهي

- لم أقتلك، لكنها الأحداث وطبائع الأشياء وتقلبات الله وأطواره

- والأحداث السياسية وانهيار الين وهبوط مؤشر كيس 30، لماذا لا تلقين اللوم على نظام مبارك بالمرة؟

- أوف، الحديث معاك مجرد حلقات متواصلة من العبث، اضغط "نشر" وانهي هذا الحوار السخيف من فضلك

- مش عارف، حاسس اني اتكلمت كتير ومش فاكر يمكن اكون قلت أسرار مينفعش تتنشر

- أسرار مينفعش تتنشر ! .. من تعتقد في نفسك بحق الجحيم، مدونتك لا يقرأها إلا ثلاثة اشخاص، اثنان منهم أصدقاؤك

- بتحبطيني ليه؟، مش هتبطلي العادة السخيفة دي؟

- سأتوقف عن إحباطك لكن اجعلني أتحدث باللهجة العامية

- لأ، كملي الكلام بالفصحى

- لن أفعل

- بل ستفعلي

- أترى، هذا ما كنت تفعله طيلة الوقت يا عمر، كنت تضغط كي تسير الأحداث على مزاجك الشخصي، حتى وأنت تحدثني في خيالك وعلى سطور مدونتك تحشرني في رداء لا أحبه وتجعلني أتحدث بالفصحى، كنت تفعل هذا معي كل الوقت، ثم تعود لي بالنهاية معاتباً، كم أنت أنت

- إيه ده، انتي خيالي فعلاً؟، ايه يا بت انتي بقيتي بتتكلمي ازاي كده، انتي كونتي شخصية مستقلة

- ليس ذنبي، أنت أطلت الحوار لدرجة أني تكونت لي شخصية مستقلة عنك في خيالك

- لقد طال الحوار فعلاً، أصبح كخيط من الحرير ملفوف حول عنقي، يحز في جلدي ويؤلمني ولا يُرى. طالت كل الحوارات يا ريم، طالت أوردتي فسحقتها، يجب أن ينتهي كل شيء قبل أن يُنهيني

- طيب ما ذنبي في كل هذا، أنا أريد حياة بسيطة وهادئة بدونك، بدأت أتخلص من كل مسببات التوتر حولي، وكنت أنت أولها، أنت علمتني أن أتصرف ببراجماتية وأحاول الاستمتاع بالحياة، لكنك علمتني بشكل خاطيء .. جعلتني نسخة منك وأنت تعلم جيداً أن الشحنات المتشابهة تتنافر

- كنا متشابهين مذ التقينا فماذا تغير

- تغيرت الحياة من حولنا يا صديقي

- تعرفي؛ انا مش عايز حياة مثالية، ولا عايزك معايا طول العمر، تأقلمت على عدم الرغبة في ذالك، لكن عايز افهم بس، عايز أعرف، ليه كل الحاجات اللي انا عايزها مش بتحصل، ليه كل التوقعات الجيدة بتخفق، ممكن اتقبل انتهاء العلاقة بس لو فهمت هي انتهت ليه، نفسي حد يفهمني الحياة اتغيرت ازاي .. أنا باتمنى الموت مش علشان ميول انتحارية .. لكن علشان مش فاهم، مش فاهم حاجة، تصوري عندي واحد وعشرين سنة وباتمنى الموت علشان مش فاهم؟، إيه كمية البؤس دي

- حاول تفهم

- مع ريم الجلاد

- بنتكلم جد يا عمر، حاول تفهم، ركز مجهودك في إنك تفهم وخلاص، انسى كل حاجة سخيفة عن الحب والجنس والحياة وركز في إنك تفهم،اتخلص من لا اكتراثيتك لأنها موسمية ومؤلمة

- بتنصحيني ليه؟

- لأني مهتمة بيك

- هو ده، هو ده الوصف بالظبط، انتي مكنتيش بتحبيني أنتي كنتي مهتمة بيَّا، كما يهتم المرء بكتاب شيق أو مسلسل تليفزيوني، لا يحب المرء الأشياء بل تنتابه مشاعر أخرى تجاهها مثل الإعجاب والاهتمام، لكن الحب، العشق، لا يكون إلا للأشخاص، لم أكُ في حياتك شخصاً يا ريم، كنت شيئاً

- طيب بتلومني ليه؟، مش انت اللي دايماً تقول إن مش من حقنا نلوم الناس على مشاعرهم؟، بتلومني ليه دلوقتي .. أنا عندي مشاعر معينة إنشالله تكون كراهية تجاهك، ليه تلومني عليها يا عم المنطقي؟

- مش بالومك يا بنت، وما ينبغي لي، لكني باحاول أطيل الحوار قليلاً

- القاريء هيحس بالملل

- انتي عارفة رأيي في موضوع القاريء ده

- طبعاً عارفة، حتى لو مكنتش قولتلي، لكن انا انت دلوقتي أصلاً، جزء من خيالك وأكيد كل اللي انت تعرفه أنا أعرفه، لكن انت اللي خليتني اكلمك عن القاريء علشان عايز ترد عليا بكده

- بس بقى كفاية ذاتية والتفاف

- كفاية انت، افصل بين الشخصيات في الحوار كي لا تصاب بالدوشة

- مُصابٌ بها منذ جئت للدنيا

- أوف

- توقفي عن التأفف علشان ما أمدش إيدي عليكي

- حاضر

الأحد، 9 مارس، 2014

الجريمة التي ارتكبتها أماني الخياط عندما مست الذات المقدسة لباسم يوسف

كانت أماني تعارض نظام المشير طنطاوي، خرجت ضده وهتفت في ميدان التحرير كما فعلت أيام الثورة، أماني مذيعة عادية عندما تعبر كلمة "عادية" عن الروتين العادي لتطور الإنسان المصري الثوري، أصبحت تؤمن بأن الإصلاحيين يجب أن ينتصروا على الثوريين، أخذت تهاجم الشباب المتحمس الفاشل الذي لطالما أثبتت الأيام فشل حماسه في إحراز أي تقدم، طلبت أن يقود الجنزوري رئاسة مجلس الوزراء وتعود فايزة أبوالنجا لمنصبها، إنها ليس متقلبة ولا تناقض نفسها أبداً، أماني مصرية طبيعية وأي مصري طبيعي يعلم أن هناك مئات الآلاف ممن مروا بمراحل تطور مع الثورة فتغيرت آرائهم تدريجياً حتى انقلبت رأساً على عقب.

كانت أماني تعيش حياة عادية، حتى أخطأت يوماً وارتكبت جريمة التلميح الخفيف إلى تصرفات باسم يوسف في عبارات مقتضبة وغير واضحة، قالت أماني أن هناك شخصية ما تقوم بقص ولصق الفيديوهات من أجل إظهار شخصيات ما بصورة سيئة. جمع لها باسم فريقاً من متخصصي الفيديوهات ووضع لها برنامجاً معقداً لهدمها أمام الجميع، كسرها وجعلها أضحوكة، مع أنها لم تقل بدعاً من القول وزورا .. لقد قام باسم يوسف من قبل بتجميع وقص فيديوهات للمعتوه خالد عبدالله وإخراج الكلمات من سياقها الأصلي ورد عليه خالد بفيديو (هنا) يوضح مغالطات باسم، كانت تلك فضيحة مستترة للمهرج اللطيف، لكن أحداً لم ينتبه لأن باسم أضحكهم وانتهى الأمر.

ليس باسم مثالياً، فاستغلال برنامج يشاهده الملايين في تصفية الحسابات الشخصية ليس تصرفاً مثالياً، الإفيهات الإباحية في غير موضعها بلا داعي منطقي أو لزوم كوميدي ليس تصرفاً مثالياً، لكن يجب أن نتجاهل كل هذا من أجل خفة دم باسم وزرقة عينيه، وعندما تتطور آراء أماني الخياط وتلمح ضمنياً لفساد باسم وانحرافه عن احترام الكوميديا والمشاهدين فيجب أن تُعاقب على الجريمة التي ارتكبتها عندما مست الذات المقدسة لباسم يوسف.

خفة الظل سلاح له حدود كثيرة، سلاح قاتل ومغري بالاعتداء على الآخرين، قد ينهمك خفيف الظل في عمل منحرف مثل التهكم على الآخرين ومحاولة تأديبهم عن طريق جعلهم أضحوكة، قد يتحول خفيف الظل إلى مجرم لطيف ينتهك حيوات الآخرين ويفسدها ويربكها ويجعلهم هدفاً سهلاً وجاهزاً للمتنمرين (Bullies ) وبلطجية الإنترنت، قد ينهمك خفيف الظل في التحفيل على الآخرين، قد يصبح خفيف الظل يوماً ما شريراً كما كان باسم يوسف في تهكمه الوقح وغير المفهوم على أماني الخياط.

الأربعاء، 5 مارس، 2014

حتمية الخطأ الثوري

لا زلت أصنف نفسي من ضمن المؤيدين لثورة 25 يناير رغم كل شيء، رغم الفشل الذريع الذي مُنيت به، ورغم أنها كانت خطئاً ـ بالطبع كانت خطئاً فادحاً ـ لكنها تُصنف من ضمن تلك الأخطاء التي يجب على المرء أن يقترفها مرة واحدة في حياته كي لا يتحسر طول عمره على عدم فعلها.

لو لم تقم الثورة، لما عرفنا أن القيام بثورة فعل خاطيء، وربما كنا سنعرض أنفسنا لثورة من نوع آخر بمئات الآلاف من الضحايا شبيهة بسيناريو سوريا مثلاً، لا أريد أن أعدد "لو" لكن الافتراضات كثيرة. وعلى أقل التقديرات فثورة يناير أحدثت تقلباً ثقافياً لم يسبق له مثيل في التاريخ المصري الحديث، فوجود تسعين مليون منظر سياسي ومحلل اقتصادي في بلد فقير كمصر ليس شيئاً يمكن إهماله بسهولة.

ربما كانت تلك المقدمة مجرد تمهيد مني للخوض في موضوع لا أحب الحديث عنه، وهو موضوع فشل الثورة المصرية، لم أكُ أريد أن أتحدث يوماً عن فشل ثورتنا، لكن كواقعي ـ نصف واقعي في الواقع ـ أحاول أن أكون موضوعياً، حسناً فشلت الثورة العظيمة، كثيرون عرفوا أنها ستفشل، وكثيرون شاركوا فيها رغم علمهم أنها ستفشل، وقليلون عرفوا أنها خطأ منذ بدايتها ـ لم أكن من هؤلاء القلة ـ وكثيرون عرفوا أنها خطأ الآن، لكنها كانت حتمية وحياة ربنا، لم يكن الشعب يستطيع ألَّا يثور.

تخيل شعباً وصل به الوضع المأساوي لأن يثور ببشاعة فيحرق نفسه ويكاد يهلك وطنه، الوضع في مصر مأساوي ومقرف، منذ قليل كتب فضيلة الشيخ أبو ثعلوب في صفحته على الفيسبوك بوستاً ( هنا ) عن ضابط شرطة مختل، وما أكثر ضباط الشرطة المختلين في مصر، هم جزء من نسيج الشعب، الشعب نفسه أصبح مختلاً ويسعى كل مواطن بشتى السبل كي يصبح ضابط شرطة ويمارس هذا الإختلال على الآخرين.

الشعب ليس ضحية، لسنا ضحية ولا يجدر بنا أن ندعي ذالك. شعبنا العظيم ينتظر فقط سقوط الكرباج على الأرض كي يلتقطه ويصبح هو جلاداً، ما من موظف صغير إلا ويريد فرض كل ما يملك وما لا يملك من جبروت كي يصبح مسيطراً بشكل يرضي غروره. كنت أنا وأحمد عند تمثال جمال عبدالناصر في أسيوط .. أراد موظف دولة صغير الشأن حارس أمن أن يمنعنا، لا لشيء إلا لأنه يمتلك سلطة المنع، لو كان كبيراً ما منع، ليس ممنوعاً في أي دولة بالعالم المتحضر أن يلتقط المرء صورة بجوار تمثال موضوع في ميدان عام، لكن الرجل وجد أنه يستطيع أن يمنعنا ففعل، إلى أن جاء أحدهم ـ موظف برتبة اعلى ـ وسمح لنا.

هذا الشعب يأكل نفسه، لقد أطلقنا الثورة في الأساس على أنفسنا لا على مبارك، أحرقنا مؤسساتنا لأننا فشلة وجهلة وفاسدون، قتلنا ضباطاً كنا نعرف جيداً أن أي منا لو كان في وضعهم لتصرف بأبشع مما كانوا يفعلون. لا أعتقد أن هناك مواطن مصري كان ليرفض أن يكون ضابط أمن دولة. ورغم هذا هجمنا على أمن الدولة، هجمنا على ذواتنا لا على أمن الدولة، ولأن الذات الفاسدة لا تموت عادة أمن الدولة، أصل المال الحلال ميروحش.

مبارك كان مصرياً، بكل ما فيه من سفاهة ولا مبالاة وشخصية مشبعة بالفكر الإمبراطوري المتخم بالغرور والثقة، كان مصرياً، حاول أن يعمل بجهد لفترة ثم أنتخ، لكن العجلة كانت تدور بمعدل تنمية وصل لـ8% في حكومة نظيف، كانت مصر على وشك تدشين مشروع الربط الكهربي بين مصر والسعودية الذي كان ليحل نسبة كبيرة من مشكل الكهرباء في مصر، لكننا ثُرنا فأتي مرسي ليلقي باللوم على عاشور بتاع الشرقية.

لقد كانت الثورة خطأً فادحاً نكافح كي نتخطى آثاره، لكني لا أتخيل هذا الوطن بدون ذالك الخطأ، كنا سنثور يوماً ما بالتأكيد، غداً أو بعد غد، الثورة كانت ستحدث حتما. كنا نحتاج لعقاب أنفسنا بشكل قاسي لهذة الدرجة، نستاهل.