الأحد، 14 ديسمبر، 2014

أمان أمان

لا أشعر بالأمان في أي مكان، الأشياء التي كنت أطاردها وما لمستها أصبحت تطاردني دون أن تلمسني أيضاً كأني تحيطني لعنة أبدية، دائمة، قوية، محبوكة ومحكومة ومتلوّة من قبل شخص يقدره القدير. أغلقت الفيسبوك وشددت في إغلاقه فما تركت لنفسي إليه منفذاً فطاردتني الرائحة، والشوق. ضيقت الخناق على الشوق فاستعصى عليَّ وأطرحني وضرجني به وانتصر.

إذا شابه اليوم أمست اكتئبت، وإذا اكتئبت تشابه الغد مع اليوم، أدور أدور في ردهات الأيام كالممسوس ولا شيء يتغير، الحياة ليست صعبة وليست سهلة لكنها مقززة، أفكر في تجربة الموت لكني لا أكاد أمسك بأهداب الفكرة حتى تتفلت. أعدائي: الشوق والأمل.

من ذا يضمن لي حياة بلا أمل ولا شوق ويأخذ نصف عمري وأذكره بخير في النصف الباقي؟

الإدراك أيضاً مشكلة، أُدرك في تبصر مذهل ـ ومستفز ـ كم أنا حقير، وهذا يحول بيني وبين القدرة على احتقار الآخرين، لا أستطيع الكراهية بملء طاقتي، كانت لدي طاقة هائلة استنفذتها في الحب (أي: سكبتها في البحر) ولم يعد لدي إلا، حسناً، لم يعد لدي شيء.

رأيت اليوم ناضجاً يمد يده إلى طفل شبه تائه يريد يرده إلى أمه، نظر إليه الطفل بحيرة، وتردد في مد يده، تردد ببطء وبلادة كشاعر، ثم منحه يده في استسلام منهياً الموقف بضعف، كعاشق. كدت أصرخ في الطفل؛ اهرب، سيلقيك في الزيت المغلي، سينزع أضلعك ويصنع من شغاف قلبك متكئاً، سيطحنك حتى تتبدد ويزيف عليك رؤيتك، لكن تراجعت وألصقت فمي بفم الفلتر.

لا أشعر بالأمان في أي مكان، كل مبنى مشروع طلل وكل عشيقة مشروع ندبة جديدة في غشاء القلب، كل الأيام تصبح "أمس" ومن ثم "يوماً ما" ثم تتلاشى كلا شيء.

الأحد، 23 نوفمبر، 2014

راح

أستمعُ* الآن إلى كل أغاني الفراق التي أجدها في طريقي وأتلذذ بها ما استطعت، لقد أحببتك فعلاً يا مريم ولكنه كان حباً مقرفاً، كنتِ تسحبين من جسدي كل فيتامين ب6 فتلتهب أعصابي وتنزعين من قلبي الكالسيوم فترهقينه، وتقفلين ممرات الصوديوم وتعطلين إنزيمات التنفس فيصيبني الاختناق، لم أعد أهتم لأمرك ولا لبكائك على حائطك الوهمي فرجولتي ـ الآن ـ أهم، وعيناكِ وشفتاكِ ونهداكِ ما عادا يثيران بي إلا الرثاء لذاتي والاعتذار لنفسي فأنكب على روحي راثياً ومعتذراً، عرضت نفسي لهذا الهوى الذي ـ رغم كل خطاياي ـ ما كنت أستحقه.

وضعتُ بيدِك حجراً فرميتِهِ في وجهي، علمتُكِ الرماية فلما استد ساعدكِ أنشبتِ كل الأسهم في صدري، فواأسفي على هذا الصدر . أقف أمام المرآة وأتأمل ندوب وجهي وأتحسس شَعري الإفريقي بكل الحب الذي افتقدتهُ طويلاً، أمنح نفسي موعداً غداً وأذهب، أدوس على الأرض في فخر وأتأمل السماء وَحدي، وأرتدي أكثر تيشيرت أحبه. استمع إلى نزار قباني في صوت كاظم الساهر وأغني مع كل أغنية، وأضحك وأحدث أمي في الهاتف قائلاً إني بخير ولا أشعر أني منافق، أطلب أختي ذات الثلاثة أعوام كي أحدثها وأسمع همهاتها تحاول تنطق اسمي وأضحك، أضحك، وأساعدها في لفظ الاسم وأقوله معها، للمرة الأولى منذ أعوام يا مريم أشعر أني بخير، كمن استأصل جزءاً من كبده، كبده الذي كان يحبه لكنه كان ملوثاً بالفيروس ويجب بتره.

لم أترككِ يوماً حتى حين تركتك، كنت أحبك حين أكون حبيب سواكِ و "أشرب نخبك حين ترافقني امرأةً للعشاء**"، كان السؤال عن حالتي العاطفية يربكني ويهزمني ويذكرني بضآلتي في حياتك وضخامتك في حياتي ويكسر بي كبرياء الرجل، ما اسوأ أن ينكسر كبرياء الرجل يا مريم ، وما أحلى أن ينفض المرء عن ذاته الغبار المخدر ويقف على قدميه، القيام بعد الركوع، سأرمم كبريائي ببطء وعزيمة وسأجدد غروري بقسوة. وأنتِ، ما أنتِ إلا يدٌ تطاولت على روحي فقطعتها.

لا أشكو إليكِ ولا أراسلك ولستِ صديقتي بعد الآن، إنما أكتب ما أكتب ذا كي أؤلمك. أي قسوة تلك التي مارستيها عليَّ حتى تجعليني رجلاً يكتب كي يؤلِم؟

ملحوظة1: ألقيتُ الجزء الذي سرقته من سلسلتك في القمامة، والعملة التي عليها خطك منحتها لمتسول فشكرني ثم رماها في وجهي قائلاً أنها لا تصلح، عبثاً حاولت إقناعه أنها تساوي سبع جنيهات ما اقتنع؛ فألقيتها في وجهه.

ملحوظة2: مهرجان شعبي كي أجعل هذا النَص سيئاً، لا تستحقين نصاً جيداً: https://soundcloud.com/sm3nash3pey/fw2otxadqrgx


الوداع بلا تحايا

عمر عاطف أحمد علي

أسيوط، وبني سويف – 15/11/2014

*الراح هي الخمر
**من قصيدة "تناقضات ن.ق الرائعة"، نزار قباني

الجمعة، 5 سبتمبر، 2014

ما قاله اللورد هنري

أنت لا تحس بشبابك لأنك تمتلكه، ولن تحس به إلا إذا فقدته، ولسوف تفتقده يوم يضيع منك. ستفتقده حين يزول جمالك ويمتليء وجهك بالغضون، ستفتقده حين يحفر الهم أخاديده في جبينك الجاف ويكوي الأسى بنيرانه شفتيك، أنت تفتن الدنيا أينما ذهبت الآن، فهل يدوم لك ذالك؟ ما رأيت وجهاً قط في جمال وجهك يا مستر جراي، ولا تعبس فهذه حقيقة مقررة، والجمال لون من ألوان النبوغ، بل الجمال أعلى قدراً من النبوغ، وهذه أيضاً حقيقة مقررة. فإن كنت تشك في ضوء الشمس أو في الربيع أو في القمر الفضي حين ينعكس خياله على المياه المظلمة أو في أشباه هذة الحقائق الأولية فلك أن تشك في صدق ما أقوله، إن الجمال يحكم العالم بإذن من الله، والله لا ينازعه في دولته شيء في الوجود، فمن حبته الطبيعة به جلس على عرش القلوب.

أراك تبتسم لهذا الكلام ولكنك لن تبتسم حين يزول عنك جمالك، أسمع الناس يقولون إن الجمال سطحي، ولعلهم صادقون فيما ذهبوا إليه، ولكن الجمال مهما كان سطحياً فلن تصل تفاهته إلى تفاهة الفكر.

ولو سألتني الرأي لقلت لك إن الجمال عجيبة العجائب، وقد يكون الجمال قشرة ظاهرية، ولكن الظواهر هي كل شيء في الحياة ومن لا يحكمون بالظواهر هم السطحيون الذين لا يفهمون شيئاً عن لغز الحياة. فلغز الحياة هو ما نراه وليس ما لا نراه. نعم يا مستر جراي إن الآلهة تحبك، ولكن لا تنس أن الآلهة تسترد ما تمنح، ولم يبق إلا سنوات معدودات تستطيع فيها أن تحيا جمالك على أكمل وجه، فحين يذوي شبابك يذوي معه جمالك ولسوف تجد حينئذ أن أيام مجدك قد مضت وتفهم معنى الهزيمة، أو تقتنع من كل هذا السلطان العريض بذكرى مجدك الزائل؛ وهذا أشد مرارةً من الهزيمة.

إن كل شهر يفوت يقترب بك من هذا المصير الأليم. فالزمن ينفس عليك شبابك ويغار من وردك ورياحينك، وحين يصرعك الزمن يشحب لونك ويتجعد خداك وينطفيء البريق الذي يلمع الآن في عينيك، وتتعلم كيف يكون الشقاء .. فانعم بشبابك ما بقي لك.

أيامك ذهبية فلا تبعثر ذهب أيامك مستمعاً إلى نصائح الوعاظ الثقلاء أو آخذاًَ بيد العاثرين أو مكرساً حياتك للجهال والسفهاء، فهذه أهداف عصرنا وهو مريض وهذه مثله العليا وهي زائفة. عش وانعم بالحياة المتفتحة فيك، واستفد من كل اختبار يمر بك، وجدد إحساسك بالحياة ولا تخش شيئاً، فعصرنا بحاجة إلى دين جديد، إلى وثنية جديدة، إلى إحياء عبادة الجمال التي انطوت تحت أنقاض اليونان. ولتكن أنت رمز هذه الفلسفة الجديدة، فالدنيا وما عليها طوع بنانك حتى ينطوي ربيعك الناضر.

*شخصية اللورد هنري ـ رواية "صورة دوريان جراي" ـ أوسكار وايلد

الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

ليه عنترة بن شداد؟

عنترة بالنسبالي مثال للراجل الحقيقي، الراجل اللي عنده طموحات طبقية شرعية وبيحققها بالطرق الرجولية، بالسيف والشغل على نفسه وتطوير مهاراته، عارف إيه أصعب من إنك تتحول من فلاح ابن فلاح لباشا ابن باشا؟، إنك تتحول من عبد لـ حر.

عنترة كان عبد وقدر يبقى حر عن طريق الشغل، الشغل ده بيختلف بقى من عصر لعصر، على أيامه كانت الحروب هي المكاتب والسنان هي الأقلام، وهو كان مثال للشخص مدمن العمل (الـjob addicted) اللي معندوش استعداد يذل نفسه لأي حد مادام يقدر بشغله يوصل للدرجة اللي عايزها.

عنترة كان بيحب نفسه، بيعشقها، أصلاً أنا شايف قصة حب عنترة الأصلية ليست مع ليلى لكن مع ذاته، قال شعر في نفسه أكتر ما قال في ليلى، وحتى لما قال شعر في ليلى كان بيفخر بنفسه ويلتمس طريقه لعشقه الذاتي الأصلي :

هلا سألت الخيل يا ابنة مالكِ، إن كنت جاهلة بما لم تعلمي

يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنمِ

عنترة مكنش مجرم لكن كان فارس، رغم إدمانه للقتل في المعارك لكنه كان يكره ما يكره الفرسان، كان بيكره إن حد يشتمه أو إنه يرد الشتيمة بمثلها:

ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب دائرة على ابني ضميمِ

الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي

معنى الأبيات : أنا خايف أموت قبل ما ألتقي في الحرب بـ ابني (ضمضمِ)، وضمضم هذا هو فارس قتلهُ عنترة في معركة سابقة، وأولاده هما (هرم وحصين) كانوا بيتوعدوا عنترة بالقتل إذا لقياه، وبيشتموه في عرضه، وهو كان خايف يموت قبل ما يقابلهم بالسيف.

عنترة كان عنده مباديء وقيم تتدرس، ليه قصائد في الحكم رائعة، لازم تقرأوا قصيدة (وللموت خير للفتى من حياته) اللي بيقول فيها : وللموت خيرٌ للفتى من حياته إذا لم يثب للأمر إلا بقائدِ، يعني انت تموت أحسن ما تبقى حياتك كلها انقياد للآخرين.

العرب بتُطلق على الشخص اللي قدر يوصل بمجهوده اسم (عصامي)، وده من بيت شعر للنابغة الذبياني بيقول فيه : نفس عصام سوَّدت عصاما. وعصام اللي اتقالت فيه القصيدة هو عصام بن شهبر الجرمي حاجب النعمان بن المنذر، لكن أنا مش فاهم ازاي عصام هذا يبقى هو مثال ومصدر اسم العصامية (أصبحت مصطلحاً للاعتماد على الذات) بينما عنترة بن شداد أحق بذالك وأولى، وأظهر في المثال وأوضح، عنترة هو أيقونة الذاتية الإيجابية على مر العصور.

السبت، 16 أغسطس، 2014

شرح بالعامية لمقطع من إحدى قصائد زهير بن أبي سلمى

في فترة الإنفلات الأمني في الجاهلية واحد اسمه الحارث بن ورقاء (اسمه بالكامل الحارث بن ورقاء بن سويط بن الحارث بن نكرة بن نوفل بن الصيداء، واتكرر اسمه في قصائد زهير بني أبي سلمى باسم ابن ورقاء أو ابن نوفل، أبناء عمومته بني الصيداء وعشيرته بني نوفل وقبيلته أسد) هجم على أملاك زهير بن أبي سلمى، واستولى على مجموعة جمال مع الراعي بتاعهم كان عبد راعي اسمه يسار.

زهير كان شاعر، والشعراء في الجاهلية كانوا قوى عظمى، كل الناس بتخاف منهم، لو رزعك قصيدة هجاء هيفشخ وزنك بين القبائل والناس هتتغنى بشتيمتك.

زهير الشاعر الأسطورة هدد الحارث بن ورقاء إنه لو مرجعش العبد الراعي "يسار" مع الجمال هيكتب فيه قصائد هجاء تخليه يفقد كل شيء، القصيدة أمضى من السيف، قصائد زهير كان اسمها الحوليات المحككة، القصيدة بتاخد سنة كاملة علشان تطلع للنور ولما تطلع مترجعش تاني، أسطورة في رصانتها وبلاغتها وأسلوبها.

من أروع قصائد زهير تلك التي هدد بها الحارث بن ورقاء وطلب منه إنه يرجعله العبد بتاعه:

هلّا سألت بني الصيداءِ كُلَهمِ، بأي حبل جوارٍِ كُنتُ أمتسِكُ؟

يعني اسألوا بني الصيداء  "العشيرة اللي منها الحارث" إزاي احنا جيران ويعملوا معايا كده، شكلها إيه الجيرة دي.

يا حارُ لا أُرميَن منكم بداهيةِ، لم يلقها سوقةٌ قبلي ولا ملكُ

البيت ده ولا أروع، يا حارُ : يقصد يا الحارث، بلاش تعملوا معايا حركة منحطة محصلتش قبل كده للـ "سوقة : الدهماء والعامة" ولا الملوك، العرب كانوا بيعتبروا غدر الجيران دي أفظع الفظائع وأحط أوجه الإنحطاط.

أُردد يساراً ولا تعنف عليه ولا تمعك بعرضك، إن الغادر المَعِكُ

يعني رجعلي العبد الراعي بتاعي، ومتعرضوش لأي إهانة، ومتعرض عرضك وشرفك وسمعتك للبهدلة بالغدر.

ولا تكونن كأقوامِ علمتُهُم يلوون ما عندهم حتى إذا نُهِكوا
طابت نفوسهمُ عن حق خصمهمُ مخافة الشرِّ فارتدوا لما تَرَكوا

متبقاش زي الناس اللي يعاندوا لحد ما "يُنهَكوا" يعني يتشتموا ويتعرضوا للهجاء، وبعد ما يتهزقوا ويتبهدلوا يتنازلوا ويرجعوا في كلامهم.

تَعلَّمن، ها، لَعَمرُ الله، ذا قسماً، فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلِكُ

البيت ده تهديد صريح، أداة التنبيه وأداة القسم وأسلوب الأمر، اقدر بذرعك يعني شوف خطواتك، يعني بالمصري شوف بتحط رجلك فين، وانظر أين تنسلِكُ يعني متدخلش نفسك في حوارات انت مش قدها.

لئن حللت بجوِ في بني أسدِ في دين عمرو وحالت بيننا فَدَكُ
ليأتينك مني منطقٌ قذعٌ باقِ كما دنس القُبطية الوَدَكُ

يعني لو أنت في حمى عشيرتك وقبيلتك وبيني وبينك صحاري شاسعة هيوصلك مني قصيدة هجاء خالدة الذكر تشوهك وتحط من شأنك للأبد ولا يزول أثرها، تلوث ذكراك كما يتلوث الثوب الأبيض بالشحم.

جدير بالذكر إن الحارث اضطر يطلق سراح العبد الراعي يسار ويكسيه كمان ويرجعه لزهير بني أبي سلمى معزز مكرم رغم إن عشيرته "بني نوفل" اعترضوا وطلبوا منه يقتل العبد، زهير كتب قصيدة تانية فيها مدح للحارث وهجاء لبني نوفل ، ومن القصيدة دي بيت رائع بيقول فيه :

إن ابن ورقاء لا تُخشى غوائلهُ، لكن وقائعهُ في الحربِ تُنتظرُ.

يعني الراجل ده ميتخافش من غدره، لكن في الحروب ضرباته حاسمة.

عموماً يعني زهير بن أبي سلمى حد كويس، ابقوا اقرأوا الديوان بتاعه.

تحميل الديوان PDF :  اضغط هنا

سكرينشوتات من ديوان زهير :

------
 ------

 ------