الأحد، 22 سبتمبر 2013

تشابه عليهم

عندما طلب النبي موسى من أتباعه أن يذبحوا بقرة، وقع القوم في معضلة وهمية وهي "مواصفات البقرة"؛ فعادوا إلى نبيهم حائرين قائلين أن البقر تشابه عليهم، فأخذ يفصل لهم أوصافها حتى شق عليهم، وعاتبهم الله ورسوله فيما بعد وعاقبهم بكثرة سؤالهم، وربما تكون كثرة الأسئلة تلك هي التي جعلت أمة اليهود تصل إلى ما هي عليه اليوم من التقدم العلمي والتقني والعسكري والفكري، ذالك أن الأسئلة تنشط الذهن وتثيره.

صحيح أن هناك دراسات أنثروبولوجية تكاد تثبت ـ شيئاً ـ أن اليهود الحاليين ليسوا فعلاً من نسل اليهود السابقين الذين طردهم فرعون وسباهم نبوخذ نصر وإنما هم نسل بعض القبائل التترية التي تهودت، لكن الموضوع ليس مهماً، لطالما اعتبرتُ علوم الأنساب والأعراق شيئاً رومانتيكياً لا علاقة له بالواقع ولا يمكن استخدامه في إطار منهج علمي أو استدلالي، وواقع الأمر أن اسرائيل اليوم هي أكثر بلاد العالم "تساؤلاً" لو جعلنا التساؤل مقياساً للتقدم والعكس، وهو حقيقي أنه كلما كان المرء فضولياً في المعمل كان أكثر انتاجاً وإبداعاً، وكلما كان أكثر قناعةً ورضى كلما تناقص انتاجه واضمحل ابداعه. وعليه فإن بلاد العرب هي أقل الأوطان تساؤلاً وأكثرها قناعةً وقدرةً على رد الأمور للغيبيات، وعندما تُردُّ الأمور للغيب فقد انتهى أمرها تماماُ.

إذاً فالموضوع مُثبت في نص تاريخي "القرآن" أن الشعب الاسرائيلي فضولي بطبعه، والشعب العربي يتأرجح بين نصين لا يُعلمُ تحديداً أيهما يقدر على الآخر، أولاهما : "اقرأ" التي قيلت لمؤسس دولة العرب القديمة والحديثة رسول الله، وثانية النصوص : "لا تسألوا عن أشياءَ إن تُبدَ لكُم تسؤكم" التي وُجّهَت للأمة بأكملها، وصحيحٌ أن القرآن "حمَّال أوجه" ولا ينبغي حشر نصوصه وتحميلها دلالات رجعية كتلك التي تجعل آية "لا تسألوا .." صادمة حاسمة مانعة قاطعة لكل الأسئلة؛ لكن واقع الأمر أن الأمر لم يكن يحتاجُ سوء التأويل ـ الذي وإن كان أدى دوراً فإنه كان مبنياً على قاعدة مستعدة لذالك ـ لأن العرب بطبيعتهم مشبعين بالقناعة والرضا والامتلاء بالفراغ والتشبع به، البيئة الفقيرة وقلة الأحداث المهمة تجعل البشر تافهين ومحطمين وأقل ميلاً للتقدم، ذالك التحطم وتلك التفاهة التي تجعلهم يتقاتلون على سهم أصاب ناقة فيستمر القتال أربعين عاماً.

العرب حديثاً هم العرب قديماً، واليهود حديثاً هم اليهود قديماً، لكن وجه العالم تغير، فاليهودي الذكي الضعيف جسدياً الذي كان معرضاُ للاضطهاد والسبي والذبح على الهوية قديماً من عربي قوي غشيم أصبح اليوم قادراً على تكوين لوبي قوي ودولة قوية يدعمها العالم القادر ـ حيث أن العالم عالَمين؛ قادر وعاجز ـ تستطيع اضطهاد وسبي وذبح الآخر وتفعل ذالك ما استطاعت إليه سبيلا.

ونحن كما نحن، جبناء وضعفاء ونلجأ بالنصوص كي تحمينا من التساؤل، ينقصنا الفضول، نحتاج إلى بعض الشجاعة لرفع الأيدي وطرح الأسئلة على الآخرين وعلى الذات، نحتاج إلى مواجهة كل نصوصنا القديمة والحديثة بعقلية فضولية، وإلا فلو استمرينا على تلك الوتيرة فسنندثر حتماً.

الأحد، 8 سبتمبر 2013

الشيء الخيالي

صباح الخير؛ لقد عقدت العزم على شيء لم أعتقد يوماً أني فاعله، قررت أن أصارحكِ بالحقيقة المرة: "أنت لستِ حقيقية يا مريم، أنت من وهج خيالي". لا تتساقطي كالثلج من فرط الصدمة، تماسكي، هناك مميزات كثيرة في أن يكون المرء وهميَّاً. صدقيني كل الأشخاص الحقيقيين يودون لو كانوا خيالاً، لو كانوا امرأةً جميلة تُكتب فيها القصائد، الحقيقيون ضائعون يا مريم، الحقيقة ابتلاء، وأن يكون المرء حقيقياً فتلك وجيعة.

أن يكون المرء من لحم ودم؛ تلك كارثة حقيقية، أن تكون مضطراً للاستيقاظ كل يوم، للنوم كل يوم، للكلام والصمت والقراءة والكتابة والحزن والسعادة، أن تغمرك المشاعر وتغتالك، أن تفقد كل يوم شيئاً جديداً تتمنى لو لم تمتلكه يوماً، أن تكون حقيقياً لدرجة الألم، تلك مصيبة يا مريم، لقد صنعتك من خيالي واصطفيت لكِ اسماً، لكن هذا لا يجعلك حقيقية، حتى أكثر الخيالات اقتراباً من الواقع ليست إلا خيالات.

لقد وضعتك في الخيال يا صغيرتي لأن عالم الحقيقة موجع، ومزيف، وضعيف، حاولت يوماً أن أجعل لك جسداً تستقرين فيه؛ لكن كل جواري الشرق ليست فيهن من تستحق، وكل آلات الغرب الرخيصات ليست فيهن من تستحق، ليس في عالم الحقيقة من يستحق أن تستقر به روح الخيال، كوني كما أنتِ ولا تحاولي التحقق في الواقع، أرجوكِ لا تظهري أمامي يوماً لتقولي "ها أنا ذي مريَمَك"، سأموت يا مريم لو خرجت من خيالي إلى أمام عيني، ستنهار قناعاتي، كوني حيث أطمئن عليكِ يا مُقدَّسَتي؛ في خيالي، والسلام.

22-8-2013

10.45ص

الخميس، 8 أغسطس 2013

أبوالطيب المتنبى

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمد الجعفى أبوالطيب الكندى ، شهرته أبوالطيب المتنبى ، التصق به اللقب بعد أن قيل عنه إدّعاءُه النبوة ، يتحدث كثيرون عن نسبه العريق الضارب فى أشرف الأصول ، وهو ما لم يؤكده المتنبى فى حياته أبداً بل حرص على جعله سراً غامضاً وإن لمح له فى بعض المرات ، مثلاً عندما قال :

 "سيعلمُ الجمعُ ممن ضمَّ مجلسنا .. بأننى خيرُ من تسعى بهِ قدمُ"

ويذهب البعض إلى نسبته لأهل العترة الشريفة من نسل الرسول الكريم ، وربما كان فى ذالك بعض المغالاة من مُحبّى الشاعر الفذ . ولد فى الكوفة بعد الهجرة النبوية بثلاثة قرون ؛ وأتى ليجد الأرض مهيأةً تماماً لإستقبال الشاعر الفاتح ، العرب متفرقون ، كل أمير مستقل بدولته يبحث عن من يكتب اسمه فى كتاب التاريخ ، التنافس على الشعراء فى أشده ، والتنافس بين الشعراء على أشده ، نظم أحمد بن الحسين المتنبى شعراً وهو بعد لم يبلغ أشده ، فكتب أول ما كتب وهو فى التاسعة من عمره .

المرأة التى أنجبت شاعر العرب ، ماتت فى طفولته ، فلم تترك أثراً يُذكر فى مخيلته ؛ ربته جدته لأمه . وبدأت حياته الأدبية الإحترافية بشكل مبكر عندما رحل فى الثانية عشرة من عمره إلى بادية السماوة ليدرس اللغة العربية بين أهليها ، وكانت عادة أشراف العرب أن يرسلوا أبنائهم لأهل المدر "البادية" ليتعلموا الفصحى التى لم تخالطها لكنة الفرس ولا الروم ، وبعدها بعامين اتجه إلى عاصمة الزخم الثقافى العربى فى هذا الوقت ، مقر الخلافة وأصل الأفكار والملل والإتجاهات الأدبية والفلسفية ؛ بغداد . مكث فيها عاماً حتى أتم الخامسة عشرة ، ثم بدأ التنقل الذى استمر حتى نهاية حياته ، فتقاذفته المدن العربية ، حتى لتكاد تشعر أنه انتمى إليها جميعاً ، رضع من كل أثداء العرب ، شرب من كل آبار العرب ، احتضنته دمشق ومصر وحلب وكثير من مدن الشام ، اختلط بالأعراب وعاش معهم واختلط بالمنعمين فى القصور وأصبح منهم ، تشرّد وتصعلك وتأمّر وتنعّم ، أصبح حكيماً من فرط التجارب ، وجرّب السجن .

وعن سجن المتنبى ، يمكننا أن نحكى كثيراً ، ويمكننا أن نستمع لمؤرخين كثر تضاربت أقوالهم ، لكن الأرجح ـ ما أرجحه أنا ـ هو أن الحكام شعروا بخطر الرجل وإتساع أفق طموحه وإمتداد مخيلته إلى سلطانهم وعروشهم ، فلفقوا له تهمة إدعاء النبوة ، وفى ظنى أنها تهمة باطلة كل البطلان ، وعندى فى ذالك إدعاءات ، أقول مثلاً أن المتنبى العاقل الرزين العالم الرحالة المتبحّر فى فهم الطبيعة العربية ، العالم ببطش حكام العرب وسيطرة الفقهاء على عروشهم ، لم يكن ليخاطر بإدعاء النبوة ، وجُل ما ينسب إليه من أقوال فى هذا الجانب  ليس لها تحقيق تاريخى يمكننا أن نثق به ، ربما قال الرجل أن مقامه كمقام المسيح بين اليهود ، وفى هذا تعظيم للذات وإحتقار للمحيطين ، أليس هذا الشعور هو أحد أركان شخصية الرجل أصلاً ؟ ما الجديد إذاً ؟! ، وهناك بعض الأبيات التى تُنسب إليه منها :

أى مجال أرتقى .. أى عظيم أتقى

وكل ما خلق الله .. وما لم يخلقِ

مُحتقرٌ فى همتى .. كشعرة فى مفرقى

حسناً ولو افترضنا أنه قال تلكم الأبيات ، أو قال أكثر منها ، أين إدعاء النبوة ؟ .. ويجب أن نلحظ شيئاً هاماً ، المتنبى لم يكن كذاباً أو أفاقاً ، لقد كان عربيّاً اصيلاً عاش فى البادية وتربى فى بيوت الشرف ، حتى أنه لم يُطق النفاق الإجتماعى السائد فى عصره والذى كان مصدر عيش الشعراء ، فما مدح سيف الدولة إلا لأنه أراد مدحة ، وعندما اكتشف شخصية كافور الحقيقية هجاه بأشد الكلمات وأقذعها ، بينما لم ينقلب بنفس الشكل على سيف الدولة عندما فرق بينهما الوشاة ، إذاً فلم يكن الرجل قبيحاً أو كذّاباَ ، ولا يليق أن ننسب إلى عقله أو أخلاقه إدعاء النبوة ، لكنهُ على كل حال جرّب السجن بتهمة التنبؤ ، ألقاه فيه لؤلؤة والى حمص من قبل الإخشيد ، ثم أخرجه منه بعد أن انكسرت فى نفس الشاعر أشياء ، وتكوّنت أشياء ، خرج أقل ميلاً للخلود الوقتى وأكثر عزماً على الخلود الأبدى .

وكما أن السجن محطة جعلت الشاعر يستفيد من نفسه ، ويختلى بشخصيته القويّة ويتعلم منها ، فهناك محطة أخرى سبقتها مكّنته من تكوين هذة الشخصية وصقل فلسفتها ؛ أبوالفضل الكوفى  وهو أحد الشخصيات الفلسفية البارزة فى عصر نشأة المتنبى ، وأول من هداه إلى كتب الفلسفة اليونانية كما أشار أدونيس فى كتابه "الكتاب"  وبالطبع كان المتنبى على إلمام واسع بهذة الفلسفات ، ويظهر ذالك جليّاً فى كتاباته عن الحكمة .

وللشاعر أيدى طوال فى المديح ، ورفع القامات وخلق البطولات لممدوحيه ، حتى أنه خلق لسيف الدولة الحمدانى أسطورة متكاملة من البطولات تم نسجها من أبيات المتنبى ، ولا يسجل التاريخ لسيف الدولة إلا أنه كان أحد الأمراء الكثيرين فى تلك الفترة ، لكن ما يورده المتنبى فى أشعاره يحكى أمجاداً عريضة وصفات نبيلة ، وتُجمع القصائد التى كتبها عن سيف الدولة تحت اسم "السيفيات" ؛ ومنها :

"لكل امرئ من دهره ما تعودا .. وعادة سيف الدولة الطعن فى العدى" 

وإن كان الشاعر كما يرفع يضع ، فإن المتنبى امتاز بنبل الأخلاق من هذة الناحية ، فلم ينقلب على سيف الدولة إنقلاباً تاماً عندما أدار له الأمير قلبه ، فعاتبه عتاباً رقيقاً وهو يرحل عنه ، عكس ما فعله مع كافور الإخشيدى مثلاً الذى سارع المتنبى إلى هجاءه والتعريض بأصله كعبد مملوك ، مما يدل على أن علاقة سيف الدولة بشخص المتنبى كانت قائمة على الإحترام والتقدير وليست كعلاقة أى أمير بشاعر ما فى بلاطه . 

وفى الهجاء ، أطلق أسهماً نافذات ، خلقت له المزيد والمزيد من الأعداء ، وبشكل خاص كان يضيق ذرعاً بالشعراء المنافسين له ، ويراهم من الإنحطاط بمكان حتى أن مقارنته بهم لا تصح ، فقال مثلاً :

"أفى كل يومِ أٌبتلى بشويعرِ .. ضعيف يقاومنى قصير يطاول"

وقال فى أحد الأدعياء ، متهماً إياه بأنه استسهل الهجاء لضعف موهبته ، لكن حتى الهجاء هو صعب على من مثله : 

"صغرت على المديح فقلت أهجى .. كأنك ما صغرت عن الهجاء"

وعن الفكر العقائدى للشاعر ، يمكننا القول أن فلسفة المتنبى ، وحكمته ، ونشأته ، وطموحاته وأشعاره وتقلبات الزمن عليه ، كل هذا الخليط شكّل العقيدة الدينية للمتنبى ، وهذة العقيدة المشكوك فيها تتراوح فى أكثر الآراء تطرفّاً إلى الكفر الصريح وإدعاء النبوة ، وفى أكثرها تساهلاً إلى الورع والتقوى، وما بينهما يُقال عن المتنبى أنه أحد دعاة الحركة القرمطية "فرقة منشقة عن الشيعة الفاطميين" ، وهو رأى لا يمكن إغفاله لأنه ورد من ناحية الدكتور طه حسين . والثابت أنه كان شيعيّاً على الأقل ، ويُقال أيضاً أنه كان أحد دعاة المذاهب الباطنية ، وكان ذا شأن فى هذة الدعوة حتى كان يُلقّب بالإمام وله مريدين كُثُر . لكن على أى حال ؛ لم يكن المتنبى محتاجاً لمريدين يتخذون منه إماماً دينيّاً ، فقد كان إمام الشعراء ، وغاية أى بلاط ملكى أن يحظى بشاعر مثله ، وكان إمام عظماء الأدب العربى بلا شريك . هذا الرجل الذى قاتل الجميع وانتصر ، كان فى زمن سباق محموم تجاه الخلود ، سبقهم جميعاً ، فلم يُذكر سواه ، ومن ذُكروا كان لأنهم محظوظين لدرجة تلاقى نقطة من حياتهم مع حياة المتنبى ، حتى سيف الدولة الحمدانى الأمير المُنعّم لم يُذكر اسمه فى التاريخ إلا لأن المتنبى أراد لهُ ذالك .

وبكل هذا يمكن إعتبار المتنبى هو الصورة المُكبّرة والمُركّزة للإنسان العربى ، بكل ما فيه من كبرياء وشعور بالذات ، بكل ما فى جيناته من ترحال وطموح ، وما يحمله من تقلبات نفسيّة ، وربما كان هذا هو ما كفل للشاعر خلوده الذى لا يُضاهى ، فهو يستمد طاقة الإستمرار من طاقة وجود العرب أصلاً ، فهو رجلهم الذى نصّبوه شاعرهم ، ومنصب الشاعر عند العرب يعنى الكثير ، فهو مرآتهم وسفيرهم ، إحساسهم وكلمتهم .

قُتل الشاعر المُعجِز فى حادثة لا تقل غموضاً عن مكامن عظمته ، يُقال أن من قتله هو فاتك الأسدى خال ضبة الأسدى الذى كان المتنبى قد هجاه من قَبل ، وتورد فى ذالك قصة البيت الذى قتل صاحبه ، حيث يُحكى أنه أراد الهرب فقال له ابنه "ألست القائل : الخيل والليل والبيداء تعرفنى والسيف والرمح والقرطاس والقلم ؟" ، فقال له المتنبى "قتلتنى قتلك الله" وصمد حتى أطاحت به ضربة سيف . ويعتقد آخرون أن دولة بنى بويه التى سبق أن مَدَحَ حاكمها عضد الدولة البويهى ؛ قد دبرت إغتياله للتخلص من كتلة الطموح التى تمشى على قدمين هذة ، وتنتهى حياة الجسد وتبدأ رحلة الخلود ، ولا أعتقد أنها ستنتهى أبداً .

الأحد، 28 يوليو 2013

مَعَادة

أتدرين* يا أمل، مات مبتسماً، ربما واتته السعادة، أبعد كل هذا الحزن يموت سعيداً، أتراه مات سعيداً يا أمل؟، وهل يسعد الأشقياء، وهل يسعد الفقراء، المرضى، قليلوا الحيلة؟،ربما هي ملهاة ألقاها الله لنا كي ننسى بؤس الحياة بابتسامة باهتة نراها على وجوه موتانا.

كان أبوكِ وسيماً قسيماً، قويَّاً نديَّاً، لهذا اختارته مصفاة الموت الدقيقة، الموت لا يختار قليلي الأهمية والحثالة بل يعمد إلى أزاهر البساتين فيقطفها، أواه يا أملي، أراه أمام عيني راقداً يُقاتل المرض، فتصرعه الغيبوبة تارة ويظفر بالإفاقة تارة، وبين هذا وذاك يأن في سكون ويتوجع في غير صوت، لكني كنت أشعر به وأسمعه وأراه وأتلمسه بيدي كلما فارق الوعي، كنت أدرك أني سأفقده لابد من ذالك. لكنَّ شيئاً ما بداخلي كان ينهرني قاسياً كلما ذكرت نفسي بالمصير الأسود. قومي يا أمل فدفئي سرير أبيك، استلقي فيه يا صغيرتي، يا شبيهة قلبي الذي رحل، تدثري وتناثري على أطراف السرير، امنحيني شعوراً زائفاً بالحياة يا ابنتي.

الله كريم؛ ربما أراد الله شيئاً ما نعجز عن إدراكه يا أمي.

ولماذا لا يخبرنا الله بمسعاه يا أمل؟

استغفري الله يا أمي.

لن استغفره.

استغفروا الله لي ولكِ يا أمي المتوجعة، يا أمي الضعيفة.

أنا لست ضعيفة يا ابنتي ولم أكن كذالك يوماً، التقيت بأبيكِ منذ عشرين عاماً وكنت قوية، وتزوجنا فأمددني بقوة من عنده، حتى عندما سقط بين فكي المرض العياء لم تُنزع عني قوَّتي أبداً، لكن ألا يحزن الأقوياء؟

بلى؛ الكل يحزن يا أمي، لكن تماسكي هداكِ الله؛ أما ترين الحياة ماشية، والأرض راسية، الدنيا لا تقف على أحد يا أمي، احزني لكن كالصفصافة تلك القائمة على باب دارنا، لقد افتقدت أبي فلم تسقط أوراقها ولم تتكسر فروعها ولم تتشقق جذورها، بل حزنت بقلبها الخشبي، احزني بقلب خشبي يا أمي فالحياة قاسية.
____

* المَعَادة هي المناحة أو الجنازة العظيمة، وكانت تستخدم قديماً في الصعيد لوصف الجنازات الهائلة التي تستمر أسبوعاً أو أكثر عند موت شاب أو رجل ذي شأن، وهذا النص مقدمة مبتورة لقصة قصيرة ـ أو ربما رواية ـ لم أُكملها.

الجمعة، 26 يوليو 2013

خيانة

مساء الخير يا رفيق، أحزنني اغتيالك المُروَّع على يدي جارية وضيعة من جواري المدرجات، ألم أقل لك لا تنخدع بجواري المدرجات؟، إنهن رخيصات كالخرز وتافهات كالتراب ولامعات كالتبر ووضيعات ليس لهن في الوضاعة مثيل. لكن ما حدث قد حدث، وقدر الله وما شاء فعل، إلى آخر هذه العبارات التي لا تُغني ولا تُثري؛ أما بعد.

أذكر حين سألتك عن لقائكم الأول؛ فأجبت بأنك تُفضّل الاحتفاظ بسرك كي يبقى قويَّاً نديَّاً، يومها قررت أن أتركك للتجربة تستنزفك حتى النهاية، كان يجب لتلك البراءة المطلقة أن تُستنزف للنهاية، وهذا الصمت والاستغراق في الأفكار الجميلة عن فتاة هادئة وديعة لا تكذب أبداً، وهذا التسامح مع جواري الشرق اللاتي لا يفهمن سوى لغة الكرباج، كان يجب أن تمر بتجربة عنيفة تعصرك عصراً فتسَّاقط منك خطايا الماضي، وتُنقَّى من سذاجتك.

أخدعتك؟، أأطلقت عليك أكاذيبها الكثيرة فالتف حول عنقك الضعيف فاختنقت يا صغيري؟، أأوجعتك الخطايا وصُدمت بحسن ظنك؟، لا تقلق، فسيحدث لك هذا كثيراً، كما وأنك ستسبب هذا الشعور لآخرين أيضاً، فلسنا ملائكة ولست أنت ملاكاً وهي ليست شيطاناً؛ لكنها نسبية الأخلاق.

في البداية؛ لا أريد منك، ولا أتوقع منك، أن تولول كالحريم وتندب كالولايا، بل كُن كما عهدتك رجلاً؛ واقتلها، الحياة صعبة يا صغيري ولا تترك للضعفاء مكاناً إلا على قارعة الطريق يتسولون الحب ويستجدون المشاعر، سنتفق على خطة القتل لاحقاً فلا تقلق. لكن الآن يجب أن تتذكر قواعد المعركة وأساسيات الخلاص النهائي، لا تجعل الأمور تنتهي ما لم تحسمها لصالحك، لا تواجهها بحقارتها وتبكي كالأطفال، الرجال الحقيقيون لا يبكون كالأطفال، انتظر حتى تجذبها إلى الهاوية، إلى المنحدر.

تعامل كصعيدي حقيقي، نحن لا نضرب النساء يا صديقي؛ بل نقتلهن مباشرةً، نحنُ لا نرفع أيدينا على النساء، بل نتسبب لهن في الوجع الحقيقي ونستمتع بصرخاتهن المدوية من فرط الألم جزاءاً وفاقا. اقرأ عنهن في كتب علم النفس يا أحمد، علم نفس الجواري، لقد أرادت الوضيعة أن تستغل مستواك الاجتماعي ورُقيَّك ووسامتك، فتسلقت على كتفيك كى تُرى بين أحضان أرقى طلاب القسم، أنت لا تُدرك أنك أرقى طلاب القسم رغم أن الجميع يعلمون هذا، انظر حولك وابتسم يا ابن العائلات، الجميع هناك متهالكون ضعفاء، وهي أرادت لها زوجاً وسيماً ثرياً على عادة جواري هذا الوطن؛ فاختارتك وألقت أكاذيبها الكثيرة من حولك، استغلت براءة وجهها وضعفك الغريب أمام الوجوه البريئة فأغرتك واستنزفتك.

أنت الآن تعلم خطتها، وكشف تكتيكات الخصم نصف الانتصار، هي تريد زوجاً ثرياً وسيماً محترماً كي تستمد منه احتراماً تفتقده في قلبها لذاتها، إذاً فليكن، اجعلها تهلك في مسعاها وتختنق في رغباتها، قد وجدتك سهلاً فكُن ممتنعاً، لحوم الأذكياء مسمومة وانت فائق الذكاء وكلانا يعلم هذا، اجعلها تدور تدور في حلقات مفرغة من حولك، سنتناول خطوات الاستنزاف البطيء في وقتها، لكني أعدك بشرفي وشرفك أنها لن تستمتع بالعامين القادمين من حياتها.

الآن اهدأ وتعامل بطبيعتك ولا تقفل الطريق، الفراغ القاتل ضار بالصحة فاستمتع بهذه التسلية التي هبطت عليك من السماء، لديك الآن مبرر منطقي وأخلاقي كي تتسلى بمشاعرها دونما أي احساس بالذنب، أمامك مشاعر فتاة واثقة من نفسها بشكل مفرط وتتعامل معك كأنها امتلكت وتثق في اخلاصك بشكل تام، ولديك مشاعر غضب وانتقام يكفيان لقصف سور الصين، اقصفها بهدوء، تجربة موفقة يا صديقي؛ استمتع.


تحديث بتاريخ 4-9-2013 : لقد تحقق العدل، أي خدمة يا رفيق، احترس في المرات القادمة.